نحتُ الوعي و تجارب الطين ..

✍️ عبدالله الزبيدي – كاتب سعودي :
يمرُّ البشرُ جميعاً بميادين الحياة ذاتها يرتوون من كأسِ الفقد ، و يتجرعون مرارة الخيانة ، ويقفون على أعتاب النجاح والفشل ، بيدَ أنَّ مآلاتهم لا تتشابه ، بل تتشظى إلى صورٍ شتى .. فما الذي يجعلُ من تجربةٍ واحدةٍ دافعاً للنهوض عند امرئ ، وسبباً للانكسار عند آخر؟!!
الإجابةُ تكمن في خمسةِ روافدَ تصبُّ في نهرِ الوعي ، وتُشكِّلُ ملامحَ النفس :
– صبغةُ الطفولة : تلك السنواتُ السبعُ الأولى التي تُنقشُ فيها حقائقُنا المطلقة على صفحاتِ العقولِ الغضة ، فتغدو إما سياجاً يحمينا أو قيداً يمنعنا من التحليق عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟) فالتشوهات والإعاقات تأتي لاحقاً، كذلك النفس البشرية تُولد سليمة ، وتتأثر بالانحرافات لاحقاً بسبب التربية والتقليد .
– عدساتُ الرؤية : فبين كيمياءِ الدماغِ وأسرارِ الجينات، تختلفُ وجهات النظر فمنا من يرى في الضغوطِ ميدانَ مفاخرة ، ومنّا من يراها ساحةً للتردد .
أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءُ … كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلاً؟
إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ … تَتَوَقّى قَبلَ الرَحيلِ الرَحيلا
وَتَرى الشَوكَ في الوُرودِ وَتَعمى … أَن تَرى فَوقَها النَدى إِكليلاً
وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ … لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلاً
– حكايةُ الذات فالعقلُ لا يختزنُ الحدثَ مجرداً بل يُلبسهُ ثوباً من التفسير. هل ترى نفسكَ ضحيةً للقدر، أم بطلاً استخلصَ الحكمةَ من وهجِ الألم؟ فالإنسانُ رهينُ قصتهِ التي يرويها لنفسه فالقصة التي تكررها لنفسك قبل النوم وفي خلواتك تصبح هي “واقعك المطلق” حتى لو كانت بعيدة عن الحقيقة المجردة .
– ميزانُ السياق حيثُ تمنحُ الثقافةُ والمعتقدُ التجربةَ معناها.. فالفقدُ في ميزانِ الإيمانِ اصطبار، وفي غيره قد يكونُ ضياعاً .
– لحظةُ المفترق تلك اللحظةُ الحرجةُ التي تُخيِّرنا بين “المعنى” لننموَ، أو “المرارة” لنذوي .. هي اللحظةُ التي نصوغُ فيها أقدارنا باختياراتنا.
إنَّ تجاربنا ليست إلا “طِيناً” خاماً ، و لسنا نحنُ نتاجَ ما نمرُّ به ، بل نتاجَ ما نصنعُ به ، فإنَّ الذي يحددُ شكلَ التمثالِ ليسَ الطين، بل يدُ النحاتِ – وعيكَ الذي تختارُ بهِ ملامحَ حياتك – وحين تُبصرُ هذه الحقيقة تسقطُ من عينيكَ أقنعةُ الأحكامِ القاسية لتحلَّ محلها نظراتُ التعاطف ؛ فكلُّ إنسانٍ يحملُ في صدره كوناً من التفسيراتِ لا تراهُ الأبصار.
فانفض عنكَ غبارَ التبرير، وحانَ الآنَ أوانُ أن تتقنَ صنعةَ “النحت” في روحك لتغدو أنتَ المبدعُ لا المُتلقي .



