أثرٌ أبيض على رقبة طفلي الجزء(1)

✍️عائشه السبيعي -كاتبه رأي :
واقعةٌ بدأت بأثر، وانتهت بأسئلة لا تزال تؤلمني
أكتب هذا لا بحثًا عن الإثارة، وإنما من باب الاهتمام والتنبيه لكل أب وأم وأسرة. فالأطفال أمانة في أعناقنا، وأمنهم وسلامتهم ليسا أمرًا يمكن التساهل فيه أو التغاضي عنه.
ما أرويه هنا واقعة عشتها بنفسي، وما زال أثرها في داخلي حتى اليوم.
قد يكون سردها مؤلمًا، لكنني أؤمن أن بعض الوقائع، مهما كان وجعها، يجب أن تُروى؛ حتى تكون تنبيهًا لكل من ائتمنه الله على طفل، وتذكيرًا بأن حماية الأطفال تبدأ بالانتباه، والاستماع، وعدم تجاهل ما قد يبدو في ظاهره مجرد علامة عابرة.
لم أكن أتخيل يومًا أن أقف أمام طفلي ذي الثماني سنوات، فأرى على جسده أثرًا سيظل محفورًا في ذاكرتي مهما مرت السنوات.
كان طفلي وقتها عند والده. وعندما أتى به إليّ، جلس أمامي كأي طفل، ولم أكن أبحث في جسده عن شيء، ولم يخطر في بالي أن عينيّ في تلك اللحظة ستقودانني إلى حقيقة بهذا الألم.
ما إن جلس أمامي حتى وقعت عيناي مباشرة على رقبته.
توقفت للحظة.
كان هناك أثر واضح يلتف حول رقبته من جميع الجهات. كان لون الأثر مختلفًا عن لون جلده؛ أبيض وشاحب، وكأن حبلًا كان مشدودًا حول رقبته بقوة وترك أثره عليها.
ظللت أنظر إلى رقبته وأنا أحاول أن أستوعب ما أراه.
لم يكن خدشًا عابرًا، ولا علامة يمكن تجاهلها.
كان أثرًا واضحًا يقول إن شيئًا مؤلمًا حدث لطفلي الصغير.
شعرت بصدمة لم أعرف كيف أصفها.
كيف يمكن لرقبة طفل في الثامنة أن تحمل أثرًا كهذا؟
نظرت إليه وأنا أحاول أن أتماسك، وأفهم ، وسألته :
«من فعل بك هذا؟»
فأجابني بصوت خائف:
«أخي.»
وكان يقصد أخاه من أبيه.
كانت إجابته صادمة، لكنني لم أستطع تصديقها. كيف لطفل في الرابعة من عمره أن يتمكن من شد حبل بهذه القوة حول رقبة طفل أكبر منه، ويترك أثرًا بهذا الوضوح؟
بدأت أسأله وأحاول أن أفهم منه ماذا حدث.
في البداية قال لي إن أخاه هو الذي فعل ذلك.
لكنني لم أقتنع.
واصلت سؤاله، ومع المزيد من الأسئلة بدأ يقول لي شيئًا آخر.
أخبرني أن والده قال له ألا يخبر أحدًا بما حدث، بما في ذلك أنا أمه ، وأن يقول إن أخاه هو الذي خنقه.
عندها شعرت أن هناك شيئًا آخر خلف هذه الكلمات.
شيئًا لم يقله بعد.
شعرت أن الطفل لا يتحدث بحرية، وإنما يحمل كلامًا قيل له، وربما خوفًا من أن يقول الحقيقة.
ومع المزيد من السؤال، بدأت الحقيقة تظهر شيئًا فشيئًا.
قال لي إن زوجة أبيه هي التي فعلت ذلك.
في تلك اللحظة لم تعد العلامة التي رأيتها على رقبة طفلي مجرد أثر أحاول تفسيره.
أصبحت أمام واقعة مؤلمة، وطفل صغير طُلب منه أن يخفي حقيقتها، وأن يحمل سرًا أكبر من عمره.
الصدمة التي أخرت توثيق الأثر
ومن هول الصدمة، لم أستطع في ذلك الوقت أن أستجمع شتات نفسي لأفكر في تصوير الأثر أو توثيقه.
لم أفكر مباشرة في الشكوى، ولم أكن أرتب في ذهني ماذا يجب أن أفعل.
كنت فقط أحاول أن أستوعب ما رأيته أمامي.
كيف عاد طفلي إليّ وعلى رقبته أثر خنق باالحبل؟
كيف حدث هذا أصلًا؟
وبعد أن هدأت الصدمة قليلًا، بدأت أفكر في الأمر بطريقة أخرى.
قلت لنفسي: يجب أن أذهب به إلى المستشفى، يجب أن يتم فحصه، وأن يتم توثيق الأثر حتى أستطيع أن أتخذ إجراءً وأقدم شكوى بشأن ما حدث له.
ذهبت به إلى المستشفى، لكن الوقت كان قد مر، والأثر الذي رأيته بعيني عندما عاد إليّ لم يعد ظاهرًا بالشكل نفسه.
أخبروني أنه لا توجد آثار واضحة يمكن تصويرها أو توثيقها.
وقتها شعرت بحسرة شديدة.
الأثر الذي رأيته بعيني اختفى قبل أن أتمكن من توثيقه.
وإلى اليوم أتذكر ذلك وأقول لنفسي: كان يجب أن أصوره في اللحظة الأولى، كان يجب أن أوثقه، كان يجب أن أتصرف بسرعة أكبر.
لكن الإنسان في لحظة الصدمة لا يتصرف دائمًا بالطريقة التي يتخيلها بعد سنوات.
في تلك اللحظة كنت أمًا مصدومة.
كنت أحاول أولًا أن أستوعب أن طفلي عاد إليّ وعلى رقبته أثر حبل، وأن شيئًا مؤلمًا حدث له.
ومع اختفاء الأثر، لم يعد لدي توثيق للصورة التي رأيتها بعيني، ولم أستطع وقتها أن أثبت على زوجة أبيه شيئًا.
وبقيت القصة ناقصة.
القصة التي بقيت ناقصة لسنوات
مرت السنوات، وكبر طفلي، لكن تلك الصورة لم تختفِ من ذاكرتي.
الأثر اختفى من رقبته، لكنه بقي في داخلي.
وبقي سؤال يراودني:
ماذا حدث لطفلي في ذلك اليوم عندما كان عند والده؟
فالذي قاله لي في ذلك الوقت لم تكن القصة كاملة.
كان طفلًا صغيرًا، وربما كان الخوف أكبر من قدرته على الكلام، وربما لم يكن يعرف كيف يشرح ما حدث له.
ومع مرور السنوات، عاد الموضوع إلى ذهني مرة أخرى.
سألته عن الحادثة التي وقعت له عندما كان عند والده، وطلبت منه أن يحكي لي ما يتذكره.
وهذه المرة بدأ يحكي لي تفاصيل لم أكن أعرفها.
للتواصل : [email protected]



