كتاب الرأي

لا جديد.. آل كناد والتاريخ «صنوان»

✍️ سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب راي :

شاهدت خلال هذا الصيف كثيرًا من الاحتفالات الاجتماعية والقبلية؛ منها ما يجذبك ويلفت نظرك، ومنها ما تمر به دون أن يستوقفك، ومنها ما يبعث في النفس القبول والإعجاب، ومنها ما يثير شيئًا من الضيق بسبب بعض الممارسات الخارجة عن المألوف، والدخيلة على بساطة مجتمعنا وعاداته الأصيلة، وإن كانت جميعها تُقدَّم في دائرة الكرم والاحتفاء بالضيف.

والكرم صور ومراتب؛ فمن الناس من هو كريم بذاته وسجيته، ومنهم من يجود بماله، ومنهم من يجتمع فيه كرم النفس وكرم اليد، ومنهم من يتصنع ذلك أو يتكلفه.

إلا أن مناسبتين اثنتين استوقفتاني هذا الصيف؛ أولاهما حفل قبيلة كعب بني عمرو الذي تجاوز صداه محيطه المحلي ووصل إلى العالمية، وثانيتهما حفل قبيلة آل كناد، وهو مدار حديثي في هذا المقال، ذلك الحفل الذي أقامته القبيلة، بنوابها وأعيانها وشيخها الشيخ حسين القنطاش، احتفاءً بابن عمهم الشيخ مناحي بن مترك بن شفلوت ومن كان في معيته.

لم يكن اللافت في المناسبة حجم الاحتفاء فحسب، وإنما حسن التنظيم، ودقة الترتيب، وروح الإبداع التي ظهرت في تفاصيل الحفل. ومن بين عناصر الحفل المتكاملة برزت قصيدة ترحيبية منشدة من عيون الشعر، استحضرت جانبًا من تاريخ القبيلة، وجاءت محكمة المعنى، جزلة العبارة، تحمل في أبياتها اعتزازًا أصيلًا وتوثيقًا شعريًا لشيء من تاريخها ومآثر رجالها، فجاء كل حرف فيها وكل كلمة لغاية ومعنى، بعيدًا عن الاعتزاز المبتذل أو المبالغة المجردة، بل في إطار فخر يستند إلى المواقف والشواهد التاريخية والرجال، وذكر لمحطات مهمة من تاريخهم العسكري والحربي مع الملك المؤسس عبدالعزيز.

وشاعرها حفيد راعي المسماة، وهو غني عن التعريف، وينتمي إلى أسرة كريمة لها مواقفها التاريخية المشهودة، التي يعتز بها ويفتخر بها كل صاحب وفاء ومعرفة بمآثر الرجال.

وقد أعادني هذا المشهد إلى ما يقارب ثمانية وعشرين عامًا مضت، إلى حفل أقامه الشيخ عايض بن ذيب القنطاش رحمه الله وقبيلته في عام 1420هـ؛ ففي تلك المرحلة المبكرة كان حسن التنظيم حاضرًا، والأداء مميزًا، وكانت الركيزة الأساسية بعد الله أبناء القبيلة أنفسهم، وهو ما يؤكد أن ما شاهدناه اليوم ليس حالة عابرة، بل امتداد لثقافة متراكمة ونهج راسخ داخل هذا المجتمع.

وتعود معرفتي بأفراد هذه القبيلة إلى عام 1419هـ، وهو تاريخ لا يغيب عن الذاكرة، منذ علاقتي بمركز العرين وقبائله الكريمة، ومشايخه وأفراده دون استثناء، العريقة في تاريخها وحاضرها، والواعدة ـ بإذن الله ـ في مستقبلها بما تحمله من رجال وأبناء أكفاء.

وكان من أوائل من التقيتهم الشيخ عايض بن ذيب القنطاش رحمه الله، وكان آنذاك يعمل في حرس الحدود، ويحظى بمكانة من الفخر والاعتزاز لدى أبناء قبيلته. وقد تولى شؤون المشيخة وهو على رأس عمله بعد وفاة والده الشيخ ذيب بن سعيد القنطاش، واختيار أبناء قبيلته له.

وما زلت أذكر لقائي الأول به في إحدى الإدارات الحكومية بمركز العرين، وقد سبق ذلك اللقاء بعامين أو ثلاثة توفيقه ـ بعد الله ـ في إنهاء قضية شائكة وخلافات متداخلة استعصى حلها، فكان لنجاحه في جمع الأطراف وإنهاء النزاع أثر كبير في نفوس أبناء عمومته وقبيلته، بل وفي المجتمع من حوله، وأسهم ذلك في ترسيخ مكانته والثقة به في مرحلة مبكرة من تحمله مسؤولية المشيخة. رحم الله الشيخ عايض رحمة واسعة، وجزاه عما قدم لقبيلته ومجتمعه خير الجزاء.

وحين أعود اليوم إلى حفل آل كناد، فإن المقارنة بين الماضي والحاضر تحمل دلالة مهمة؛ فهذه القبيلة التي استطاعت قبل ما يقارب ثمانية وعشرين عامًا إقامة حفل منظم ومتميز في وقت كانت فيه الإمكانات أقل، لم تقف عند تلك النقطة، بل واصلت التطور، فإذا بحفلها اليوم ينبض بالحياة والتميز والتجديد، ويعكس تنظيمًا دقيقًا، وتوزيعًا للمهام، وحسن استثمار للكفاءات، واستفادة من كل فرد بما يملكه من معرفة وخبرة وقدرة.

وما هذا الحفل إلا إضاءة من بين كثير من الممارسات الإيجابية التي عرفتها عن هذه القبيلة، ومنها تكريماتها السنوية لرجال العلم وطلابه من أبنائها، وهي مبادرات تكشف عن وعي بقيمة العلم ومكانة المتعلم، وعن إدراك حقيقي بأن بناء الإنسان هو الأساس في بناء المجتمع، والحق يقال إن هناك عددًا من القبائل التي تقوم على تكريم أهل العلم وطلبته من أبنائها، إلا أن المقام هنا لا يسع لاستعراضها وذكرها في هذا المقال.

ولا يقف هذا الحضور الإيجابي عند جانب العلم والتعليم والتكريم، بل يمتد إلى ممارسات اجتماعية تُحسب لهذه القبيلة؛ من أبرزها تكاتف أفرادها، والسعي في إصلاح ذات البين، والتعاون على كل ما من شأنه تعزيز الترابط والتآلف بين أبنائها، وهي ممارسات تعكس وعيًا بأهمية المسؤولية الاجتماعية، وتحويل رابطة القبيلة إلى مساحة للتعاون والإصلاح والتكافل.

وحقيقة الأمر أن مثل هذه النماذج تدعونا إلى النظر إلى القبيلة بمنظار الفعل والأثر، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة؛ فقبيلة آل كناد نموذج من نماذج كثيرة في جنوب المملكة ومختلف مناطقها، تؤكد أثر العلم والتعليم والتنظيم في تطوير المجتمعات القبلية مع المحافظة على أصالتها وقيمها.

فالقبيلة حين تحفظ قيمها، وتستثمر في العلم، وتنظم طاقاتها، وتعزز العمل والإصلاح والتكافل، تصبح لبنة فاعلة في نسيج الدولة، ويكون أبناؤها معاول بناء وتنمية، صادقين في انتمائهم وولائهم، امتدادًا لآبائهم وأجدادهم في خدمة الدين ثم القيادة والوطن والمجتمع.

وفي الختام، فإن ما شاهدته لم يكن مجرد احتفال اجتماعي عابر، بل صورة لمجتمع يعرف تاريخه، ويقدر رجاله، ويستثمر في أبنائه، ويجدد أدواته دون أن يفقد أصالته. ومن الوفاء أن يُسجَّل الشكر والتقدير للشيخ حسين القنطاش، ولنواب قبيلة آل كناد وأعيانها وأفرادها كافة، ولكل من سعى في خدمة ربعه وإنجاح هذا الحفل؛ من اللجنة القائمة عليه، ومقدم الحفل، وكل من أسهم بفكره أو جهده أو وقته، بل ولكل فرد من أفراد هذه القبيلة التي ضربت مثالًا مشرفًا في التكاتف والاجتماع وحسن التعاون. فما ظهر من تنظيم ووعي وثقافة وحفاوة لم يكن جهد فرد، بل ثمرة عمل جماعي يؤكد أن المحافظة على التاريخ لا تعني الوقوف عنده، بل البناء عليه وصناعة حاضر يليق به ومستقبل أكثر إشراقًا.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى