بين الحنان والقسوة… أبي الغالي

✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :
رحل أبي عن الدنيا، لكن حضوره ما زال يسكن قلبي وروحي. غاب الجسد، وبقي الأثر، وبقيت الذكريات التي لا تمحوها الأيام. كان السند، وكان الأمان، وكان الوجود الذي نستند إليه في كل مراحل الحياة.
الأب ليس مجرد شخص في الأسرة، بل هو الركيزة الأساسية ومصدر الأمان العاطفي والنفسي والاجتماعي. هو القدوة التي نتعلم منها معنى المسؤولية والصبر والعطاء، وهو الذي يغرس في أبنائه القيم والأخلاق النبيلة التي تبقى معهم مهما كبروا وتغيرت ظروفهم.
رحمك الله يا أبي، فقد كانت كلماتك وتوجيهاتك مدرسةً نتعلم منها كل يوم. علمتنا الاحترام، وربيتنا على المبادئ، وغرست فينا مكارم الأخلاق. واليوم أدرك أكثر من أي وقت مضى قيمة ذلك الجهد العظيم الذي بذلته من أجلنا.
يا من لا يزال أبوك على قيد الحياة، تمسك به، وبرّه، وأحسن إليه ما استطعت. مهما قدم الأب لأبنائه فلن يستطيعوا رد الجميل كاملاً، فقد تحمل المشاق وتكبد عناء الحياة ليؤمن لهم الراحة والاستقرار. لا تغضبوه، ولا تفرطوا في حقه، فوجوده نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها.
وأقول لكل أم: مهما كانت الخلافات بينك وبين الأب، حافظي على صورته الجميلة في قلوب أبنائه. لا تجعلي الخلافات سببًا في إضعاف علاقتهم بوالدهم، فالأب والأم جناحان لا يكتمل استقرار الأبناء إلا بهما معًا.
ويا بخت من أحسن تربية أبنائه، ويا بخت من وجد أبناءً يقدرون تعب والديهم ويحفظون جميلهم.
أسأل الله أن يرحم كل أبٍ غادر هذه الدنيا، وأن يوفق ويحفظ كل أبٍ ما زال حيًا بين أبنائه.
وقد صدق الشاعر حين قال:
الحُزنُ يُقلِقُ والتَّجَمُّلُ يَردَعُ
والدَّمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طائِعُ
النَّومُ بَعدَ أَبي شُجاعٍ نافِرٌ
واللَّيلُ مَعي والكَواكِبُ ضُلَّعُ
إِنّي لَأَجبُنُ مِن فِراقِ أَحِبَّتي
وَتُحِسُّ نَفسي بِالحِمامِ فَأَشجَعُ
رحم الله أبي، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وجمعني به في الفردوس الأعلى، وجزى كل أبٍ خير الجزاء على ما قدم لأبنائه من حب وعطاء وتضحية.



