كتاب الرأي

عاشوراء – حين تتلاشى المستحيلات في معية الله

✍️أروىٰ بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :

ليست الأيام مجرد صفحات تمر ثم تطوى فبعضها يبقى حاضرًا في الذاكرة لأن ما حملته من معانٍ يتجاوز حدود الزمن ويأتي يوم عاشوراء شاهدًا على قصة عظيمة من قصص الثبات واليقين حين وقف موسى عليه السلام وقومه أمام البحر وخلفهم فرعون بجنوده في لحظة ظن فيها الناس أن الطريق قد انتهى وفي ذلك اليوم المشهود من عاشوراء وجد موسى عليه السلام وقومه أنفسهم في مأزق لا تخرج منه العقول المادية فالبحر أمامهم هائج وفرعون بجبروته يطبق عليهم من الخلف وكانت اللحظة تنبض بالخوف واليأس لدرجة أن بني إسرائيل صرخوا بلسان الضعف ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وهي جملة تعكس حال الإنسان حين يغفل عن قوة الله ويحصر نظره في الأسباب الدنيوية المنقطعة لكن موسى عليه السلام في هذا اليوم العظيم لم يعلق قلبه بالمشهد الظاهر بل علقه بقدرة الله فقال بكل يقين ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فلم يقل موسى إن معي السلاح أو إن معي الحيلة بل أعلن معية الله وهذا الدرس الذي تخلده ذكرى عاشوراء يعلمنا أن الواثق بربه يرى الفرج في قلب المحنة ويرى النور في ظلمات الطريق ويرى القدرة الإلهية حيث تعجز القدرات البشرية وفي تلك اللحظة التي انقطعت فيها الأسباب جاء الفرج وانشق البحر بأمر الله ليبقى هذا المشهد درسًا خالدًا في يوم عاشوراء بأن قدرة الله لا تحدها حدود وأن ما يبدو مستحيلًا في أعين البشر قد يكون أقرب أبواب النجاة تعلمنا عاشوراء أن الإيمان ليس غياب الخوف بل قوة القلب حين يثق بالله رغم وجوده وأن الإنسان قد يقف أمام بحار من التحديات لكن اليقين بالله الذي تجسد في قصة عاشوراء يمنحه طريقا لا تراه العين قبل أن يفتحه الله إن ما حدث في يوم عاشوراء هو نموذج مصغر لما قد يواجهه كل واحد منا في حياته فالبحار التي تعترض طريقنا من هموم أو كرب كثيرة وجنود الفشل والإحباط يلاحقوننا أحيانا ومن هنا نستخلص أن اليقين هو استباق للفرج بالقلب قبل أن تراه العين وأن الأزمات هي المحك الذي يظهر حقيقة توكلنا على الله فهي لا تزيد المؤمن الصادق إلا قربا وتضرعا وإيمانا بمدد الله مع تذكر أن التوكل الحقيقي هو العمل مع التوكل لا الجلوس بانتظار المعجزات دون سعي فكل عاشوراء تعيد إلينا معنى الصبر والثبات وتذكرنا أن الشدائد مهما عظمت فإن وراءها لطفًا وأن من صدق توكله على الله وجد في قلبه سكينة تفوق صخب الظروف إنها قصة لم تخلد بسبب قوة الموقف فقط بل بسبب قوة الإيمان الذي جعل من لحظة الخوف في يوم عاشوراء أعظم درس في الثقة بالله ففي كل مرة تشعر فيها أن الأبواب قد أُغلقت استرجع نبض موسى عليه السلام في عاشوراء حين قال ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وتأكد أن الذي شق البحر لموسى قادر على أن يفتح لك أبواب الفرج من حيث لا تحتسب وأن يفرج عليك بسبب وبغير سبب وبأضعف سبب وأن يسخرلك الأسباب ويمطر عليك الفرج بوابل السحاب فرحمته أوسع من كل باب وتدبيره لاتدركه الألباب .

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى