كتاب الرأي

غابة الذئاب ​الأرملة السوداء

الفصل الرابع " مدينة الإبراج "

سلسلة ” غابة الذئاب “

      ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني

​في إحدى البنايات الشاهقة تتجه العدسة إلى القاعة السفلية تحت الأرض ، مقر مافيا العراب “آل السامر”؛ قاعة بعيدة عن الأنظار وأجهزة التنصت لحالات الطوارئ، إضاءة خافتة تتركز فقط على طاولة مستديرة ضخمة.
​السيد وارث (كبير العائلة) يترأس الطاولة، وجميع كبار عائلة آل السامر متواجدون، السادة: (أسد، وقتادة، وعارم، ومؤيد)، لكن من دون أبنائهم. يملأ المكان رائحة الدخان الذي بِيَد السيد وارث.
​تنهد السيد عارم ثم اتكأ بظهره إلى الخلف، وقال بنبرة غلب عليها التوتر: “رحيل الجد العقيد صدمة كبيرة خاصة في هذا التوقيت بالذات، أفراد عائلة العراب الصغار بدأوا يخرجون رؤوسهم من جحورهم لملء مقعد الجد العقيد والانضمام إلى مجلسنا، الجثة لم نستلمها والجنازة لم تبدأ بعد، والهمسات حول من سيخلفه بدأت تعلو”.
​ضرب السيد قتادة الطاولة بيده، وهو المعروف بحدة طباعه: “الخلافة ليست لغزاً! هناك دم، هناك ابنه ‘المسامر’ ابن أختي المرحومة، أم نسيتم ذلك؟!”.
​هنا تدخل السيد مؤيد، الذي كان يقلب كفيه بهدوء مريب: “القوة الآن تقود (منظمة الذئب الأسود)، المسامر ليس مجرد ابن العقيد، إنه ذئب صنعه العقيد بنفسه خارج قطيعنا ليكون خارج السيطرة”.
​رفع السيد أسد نظره ببطء، فساد الصمت فوراً. كانت عيناه تحملان ثقل السنين ومرارة الموقف، وضع سيجاره على المنفضة الرخامية ونطق بهدوء مخيف: “العقيد لم يمت ليترك لنا فوضى، لقد ترك لنا خيارين أحلاهما مر؛ إما أن نفتح الأبواب لـ ‘المسامر’ ليدخل كقائد معترف به اعترافاً كاملاً من آل السامر، وبذلك ندمج جبروت ‘الذئب الأسود’ مع نفوذ المافيا.. أو أن نعتبره غريباً ونستعد لحرب ضروس معه”.
​ينفخ السيد وارث دخان سيجارته، ثم قدم ظهره إلى الأمام جعلاً الجميع ينتبهون له، نظر إليهم قائلاً: “لكنه لن يقبل بالخضوع للمجلس! المسامر ليس ذئباً عادياً ولن ينصاع إلينا، ونحن هنا ندير إمبراطورية”.
​السيد أسد: “المسامر يريد الإعتراف به بشكل رسمي وبطريقة المتعارف عليه بمنظمتنا، يشير بيده على مقعد فارغ مسترسلا حديثه : مقعد الجد العقيد، لكي يكتمل الاعتراف به كواحد منا ، إذا لم نأتِ به نحن ونجعله أحد أذرعنا بأي طريقة، فسوف يكون ضدنا”.
​التفت مؤيد إلى أسد: “لا أظن أن المسامر سيكون عدواً لنا، هل نسيتم ما فعله عندما حرق مقر شركة ابني فراس؟ وقد ظننا أن 5 ملايين قد احترقت بحريق الشركة، ولكن المسامر أتى بالمبلغ كاملاً دون نقصان وهو يعلم جيداً أنها أموال مشبوهة وتم غسيلها، كان بإمكانه تركها تحترق أو يستخدمها لإدارة أعمال منظمته”.
​تنهد السيد وارث واتكأ بظهره إلى الخلف: “سوف نجتمع بالمسامر بعد جنازة الجد العقيد”.
​نظر الجميع لبعضهم البعض، مدركين أن استدعاء المسامر إلى المجلس يعني شيئاً واحداً؛ أن قدومه وموافقته لشغل مقعد والده سيكونان قنبلة مدوية.

​المدينة الغائمة
​اتكأ البارون على مقعده الجلدي العتيق، يراقب تمايل السائل الداكن في كأسه تحت ضوء خافت، وخلفه وقفت ليليان بوقفتها الصارمة المعتادة، عيناها تراقبان انعكاس وجهه على الزجاج.
​وضع البارون كأسه ببطء على الطاولة الرخامية، وهمس بصوت أجش: “ليليان.. هل تؤمنين بالمصادفات؟ أن يرحل رجل بقوة العقيد بسبب ورقة كُتِبَ بها (الأرملة السوداء)؟!”.
​تقدمت ليليان خطوة، وعيناها تلمعان بذكاء حاد من خلف زجاج نظارتها : “في عالمنا يا سيدي، المصادفة هي مجرد خطة لم تُكتشف بعد. العقيد لم يكن رجلاً عادياً ليموت بمجرد توقف قلبه”.
​التفت البارون ببطء، وعلامات الشك ترتسم على وجهه: “إذن، أنتِ لا تظنين أنها نوبة قلبية كما جاء في التقرير الطبي؟”.
​ليليان بابتسامة غامضة: “التقرير يقول ما يُراد له أن يقول سيدي البارون، الشك يهمس بأن العقيد لم يذهب، بل موجود بيننا”.
​ضيق البارون عينيه: “اليقين هو ما أحتاجه الآن يا ليليان”.
نهض من مكانه وأشعل سيجارته وهو ينظر من النافذة.

​مدينة قمرة
​جلست الأرملة السوداء أمام شاشة تلفاز ضخمة ، تشاهد آخر أخبار العالم وكانت تنظر إلى خبر انفجار منزل منصور في إحدى ضواحي مدينة الأبراج ، دخل صقر بخطواته الواثقة والمنضبطة، محنياً رأسه قليلاً كعلامة احترام وتقدير.
الأرملة السوداء : احسنتم عملا في التخلص من منصور.
​صقر بصوت منخفض ورزين: “سيدتي، وأمام أنظار المسامر”.
​التفتت الأرملة السوداء ببطء، بابتسامة باردة : “منصور كان ورقة رابحة، لكن انكشف أمره وكان سيفضح أمرنا أمام المسامر”.
​صقر: “بالتأكيد. لكن… هناك مشكلة واحدة، المسامر لا يهدأ، ويجب أن نسبقه دائماً”.
​ضيقت الأرملة السوداء عينيها: “المسامر ذكي، وذكاؤه هو ما يجعله خطيراً، وهو يبحث عن السر والكنز المدفون، لكنه لا يعلم أننا نحن من نملك الخريطة”.
​صقر بلهجة تملؤها الحيرة: “لكن يا سيدتي، وفاة الجد العقيد غيرت الحسابات بشكل لم نتوقعه”.
​تنهدت الأرملة السوداء بمرارة: “موت العقيد لم يكن من ضمن حساباتي في هذه الفترة على أقل تقدير، لكن الخطة البديلة موجودة”.
​صقر: “إذن، هل نتوقع مواجهة مباشرة مع منظمة الذئب الأسود؟”.
​نهضت الأرملة السوداء من مكانها لتنظر إلى الصحراء : “المسامر سيلعب لعبة النفس الطويل، لكن هدفي هو محو عائلة العراب بأكملها، ليعلموا أن ‘الأرملة السوداء’ ليست أسطورة، بل حقيقة”.

​المدينة الغائمة
​تقف سيارة خاصة أمام بوابة مستشفى المدينة وينزل منها جوزيف، دخل إلى المستشفى بخطوات معتدلة السرعة حتى وصل إلى باب مكتب مدير المستشفى. كان المدير يقف خارج مكتبه، فأشار إلى جوزيف بأن يتبعه.
​وصلا إلى باب الطوارئ حيث كانت تقف سيارة إسعاف، فأخرج جوزيف من جيبه ظرفاً به مال وأعطاه لمدير المستشفى، وبالمقابل أخرج المدير من جيبه ورقة تحمل شعار المستشفى وأعطاها له.
​فتح جوزيف الباب الخلفي لسيارة الإسعاف وصعد داخلها وأغلق الباب، فتحركت السيارة. كان جوزيف يجلس بجوار سرير طبي ممدد عليه جثة رجل مغطى، أزاح الغطاء عن وجهه فإذا به الجد العقيد!
​أخرج جوزيف من جيبه هاتفه المحمول واتصل قائلاً: ” أن الجثمان معي ، سنكون بالمطار بعد نصف ساعة، كن على استعداد”.
​أغلق الخط.

​يتبع….
للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى