الأعمار التي عشناها داخل العمر الواحد

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
عن النسخ المختلفة التي مررنا بها، والأشخاص الذين كناهم قبل أن نصبح ما نحن عليه اليوم.
حين يسألنا أحد عن أعمارنا، نجيب برقم واحد.
ثلاثون عاماَ، أو أربعون، أو أكثر أو أقل.
لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها كثيراً، أننا لم نعش عمراً واحداً كما نظن.
لقد عشنا أعماراً كثيرة داخل هذا العمر الواحد.
عمراً كنا نرى فيه الحياة واسعة، والأحلام قريبة، ونعتقد أن كل شيء ممكن.
وعمراً آخر، اكتشفنا فيه أن الطريق لا يسير دائماً كما نشتهي.
وعمراً عشنا فيه اندفاع البدايات، نركض وراء كل شيء، ونظن أن الوقت لا ينفد.
ثم جاء عمر مختلف…
تعلمنا فيه أن بعض الأشياء لا تُنال بالسرعة، وأن بعض الإجابات تحتاج سنوات حتى تنضج.
وعشنا أعماراً من الفرح، وأخرى من الخيبة، وأعماراً كاملة قضيناها نحاول فهم أنفسنا، أو الهروب منها.
بل إن الإنسان أحياناً ينظر إلى نفسه القديمة، فيشعر وكأنه يتذكر شخصاً آخر.
لا لأنه أنكره…
بل لأنه تجاوزه.
فذلك الذي كان يخاف من أشياء معينة، لم يعد موجوداً كما كان.
وذلك الذي كان يظن أن سعادته معلقة بأمر واحد، لم يعد يفكر بالطريقة نفسها.
وكثير من الأشياء التي كانت تُشغلنا يوماً، غادرتنا بهدوء، لا لأننا نسيناها، بل لأننا عبرناها.
ولهذا، ليست الحكمة في عدد السنوات التي عشناها، بل في عدد المرات التي أعادتنا الحياة فيها إلى أنفسنا بصورة مختلفة.
فبعض الناس يعيشون ستين عاماً بالعمر…
لكنهم يعيشون عمراً واحداً في الداخل.
وبعضهم، في أربعين سنة فقط، يكون قد عاش أعماراً كثيرة، وتبدل، ونضج، وسقط، ونهض، وتعلم، وتغير.
ولعل أجمل ما في الإنسان، أنه لا يبقى كما هو.
فالحياة لا تضيف إلى أعمارنا سنوات فحسب.
بل تضيف إلى أرواحنا نسخاً كثيرة، حتى نصل في النهاية إلى أنفسنا، ونحن أكثر فهماً، وأقل ادعاءً، وأكثر رحمة.
وربما لا نتذكر كل سنواتنا،
لكننا نتذكر جيداً ذلك العمر الذي خرجنا منه أشخاصاً مختلفين.
فربما لم نعش عمراً واحداً كما نظن…
بل عشنا أعماراً كثيرة، وكان لكل عمر منها… إنسانه الخاص.
للتواصل : [email protected]



