كتاب الرأي

الثقافة… حين تتحول من فعالية إلى أثر

      ✍️عبدالله محمد العجمي- كاتب رأي :

الثقافة هي غذاء الروح والفكر، وهي إحدى الأدوات التي تصنع وعي الإنسان، وتمنحه القدرة على فهم ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. ولذلك، لم تعد الثقافة ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل أصبحت حاجة أساسية في بناء الإنسان وصناعة المجتمعات الواعية.

وفي مختلف المجتمعات، تتعدد الفعاليات الثقافية وتتنوّع مسمياتها وأهدافها، فهناك الندوات والمحاضرات والأمسيات والمعارض والملتقيات والمهرجانات والبرامج الثقافية، وغيرها من الأنشطة التي تُقام على مدار العام، ويقف خلفها أفراد ومؤسسات ومجالس ثقافية حريصة على إثراء المشهد الثقافي، وإيجاد مساحات للمعرفة والحوار والإبداع.

لكن أمام هذا الحراك الثقافي المتنوع، يبرز سؤال مهم يستحق التوقف عنده:
هل تنتهي الثقافة بانتهاء الفعالية، أم تبدأ مهمتها الحقيقية بعد انتهائها؟

فليس كل تجمع ثقافي بالضرورة فعالية ناجحة، وليس نجاح الفعالية مرتبطًا بعدد الحاضرين، أو حجم التغطية الإعلامية، أو كثرة الصور التي تُلتقط في المكان. قد تنتهي أمسية ثقافية بحضور كبير، ثم لا يبقى منها في ذاكرة الحاضرين سوى صور وعبارات عابرة، بينما قد تجتمع مجموعة صغيرة في لقاء محدود، وتخرج منه فكرة واحدة تغيّر طريقة تفكير إنسان، أو تدفع شابًا إلى القراءة، أو تشجع موهبة على الاستمرار، أو تفتح بابًا لمبادرة جديدة.

وهنا يظهر الفرق بين الفعالية الثقافية والأثر الثقافي.
الفعالية موعد له بداية ونهاية، أما الأثر فلا يرتبط بساعة أو يوم. الفعالية قد تنتهي بانتهاء برنامجها، لكن أثرها الحقيقي يبدأ عندما يأخذ أحد الحاضرين فكرة منها ويحوّلها إلى سلوك، أو معرفة، أو مشروع، أو مبادرة، أو حتى سؤال جديد يقوده إلى مزيد من البحث والتعلم.

فالثقافة الحقيقية لا تُقاس فقط بما يحدث على خشبة المسرح، وإنما بما يحدث في عقل الإنسان بعد أن يغادر المكان.
ولذلك، فإن المؤسسات والمجالس والجهات المعنية بالشأن الثقافي أمام مسؤولية تتجاوز إقامة الفعاليات وتنظيم البرامج. والمسؤولية الأكبر هي أن تجعل لكل فعالية امتدادًا، ولكل فكرة مساحة للنمو، ولكل موهبة فرصة للظهور، ولكل مشارك سببًا يجعله يعود إلى بيته وهو يحمل شيئًا جديدًا لم يكن يحمله قبل حضور الفعالية.

نحن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بعد كل نشاط ثقافي: ماذا أضفنا؟ وماذا تغيّر؟ ومن استفاد؟ وهل تركنا فكرة تستحق أن تُستكمل؟ وهل فتحنا طريقًا لموهبة؟ وهل قرّبنا الكتاب من قارئ جديد؟ وهل جعلنا طفلًا يحب المعرفة؟ وهل منحنا شابًا الثقة ليقدم ما لديه؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من السؤال عن عدد المقاعد التي امتلأت.
فالهدف من الثقافة ليس أن تملأ القاعات فحسب، وإنما أن تملأ العقول بالوعي، والقلوب بالمعرفة، والمجتمع بالحراك الإيجابي.

وقد تكون بعض الفعاليات قصيرة في زمنها، لكنها طويلة في أثرها. ورشة تمتد لساعتين قد تكتشف موهبة تستمر سنوات، ومحاضرة واحدة قد تفتح أمام شاب بابًا جديدًا في حياته، وكتاب يُقدّم في أمسية قد يصبح بداية علاقة طويلة بين قارئ والمعرفة، ولقاء ثقافي بسيط قد يولد منه مشروع ثقافي يخدم المجتمع.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي نشاط ثقافي: ليس كم استغرق، وإنما كم ترك وراءه.
إن الثقافة التي تتحول إلى أثر هي التي تصل إلى الإنسان بلغته واحتياجاته، وتمنحه مساحة للتعبير والمشاركة، ولا تجعله مجرد متلقٍ يجلس ليستمع ثم يغادر. الثقافة الحية هي التي تجعل الإنسان شريكًا في صناعتها، وقادرًا على نقلها إلى غيره.

كما أن الثقافة لا ينبغي أن تبقى محصورة في قاعات محددة، أو مرتبطة بمواعيد موسمية، فالشارع يمكن أن يكون مساحة ثقافية، والمدرسة يمكن أن تكون منبرًا للمعرفة، والمجلس يمكن أن يكون مدرسة للحوار، والكتاب يمكن أن يكون رفيقًا، والمهرجان يمكن أن يكون نافذة يتعرف من خلالها الآخرون على هوية المجتمع وتاريخه وإبداع أبنائه.

ومن هنا تأتي أهمية أن ننتقل من ثقافة إقامة الفعاليات إلى ثقافة صناعة الأثر.
فالفعالية تنتهي عندما يُختتم البرنامج، أما الأثر فيستمر عندما تنتقل الفكرة من المنصة إلى المجتمع، ومن الورق إلى الواقع، ومن المتحدث إلى المستمع، ومن المستمع إلى شخص آخر.

ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الفعاليات الثقافية هو أن تجعل الإنسان، بعد حضورها، مختلفًا ولو بدرجة بسيطة، أن تجعله أكثر وعيًا، أو أكثر حبًا للقراءة، أو أكثر تقديرًا لتراثه، أو أكثر قدرة على الحوار، أو أكثر إيمانًا بموهبته، أو أكثر رغبة في أن يقدم شيئًا لمجتمعه.

فإذا تحقق ذلك، فإن الفعالية لم تكن مجرد موعد عابر، بل أصبحت بذرة زُرعت في المكان والإنسان.

إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة الفعاليات وحدها، وإنما بما تتركه هذه الفعاليات من وعي متراكم، ومعرفة متجددة، ومواهب تجد طريقها، وأفكار تتحول إلى مبادرات، وأجيال تحمل الثقافة باعتبارها مسؤولية لا مجرد مناسبة.

وفي النهاية،،،
ليست القضية أن نقيم المزيد من الفعاليات، وإنما أن نجعل كل فعالية قادرة على أن تولّد أثرًا.
فقد تنطفئ أضواء المسرح، وتُغلق أبواب القاعة، وتنتهي الكلمات والتصفيقات، لكن الثقافة الحقيقية لا تنتهي هناك.

الثقافة تبدأ من الفعالية، لكنها لا ينبغي أن تنتهي بانتهائها، لأن أجمل الفعاليات هي التي تترك أثرًا لا يغادر الإنسان بانتهاء المكان.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى