
✍️ فاطمة الكعبي – كاتبة رأي وقاصة :
في ليلة شتوية هادئة، جلستُ في حديقة حيّنا أراقب طفلتي وهي تتعارك مع الأرجوحة، تلفّها يمنة ويسرة، وتحاول الصعود عليها بكل طريقة إلا الطريقة الصحيحة.
راقبتها قليلًا، ثم أجبرتني محاولاتها الفاشلة على القيام. رفعتها وأجلستها كما ينبغي، فما إن استقرت حتى بدأت تتحايل عليّ لأدفعها؛ إلى الأمام تارة، وإلى الخلف تارة أخرى، سعيدةً منبسطة الأسارير، بينما ظهري يهمس لي محذرًا: كفّي عن هذا، وإلا جعلتك تسهرين الليل تسامرين الألم.
وبينما أنا أصارع رغبتها واعتراض ظهري، لمحت طفلين يركضان نحو الشارع. بدا الأكبر في الرابعة تقريبًا، والآخر لم يتجاوز العامين. تقدّم الأول بسرعة، وانسلّ من بين السيارات ليعبر إلى الجهة الأخرى.
توقفت يدي عن دفع الأرجوحة.
أين أمّهما؟
التفتُّ يمنة ويسرة أبحث عن أمّ، أو أب، أو مربية، أي أحد يركض خلفهما. لا أحد.
وفجأة اندفعت امرأة نحو الطفل الأكبر، ركضت خلفه بجنون، وانتشلته من بين السيارات العابرة. تنفستُ الصعداء.
لكن الطفل الأصغر واصل طريقه.
مرّت المرأة من أمامه، أمسكت بيده للحظة، ثم أفلتتها ومضت مع طفلها.
عندها فهمت: كانت أمًّا، ولكن لابنها وحده. أما الصغير فواصل ركضه بين السيارات، بجسدٍ يكاد لا يُرى من خلفها.
لا أعرف كيف تركت الأرجوحة، ولا كيف نسيت ظهري. كل ما أعرفه أنني وجدت نفسي أركض خلفه.
كان سريعًا على غير ما يوحي به جسده الصغير؛ يخطو، يتعثر، يكاد يسقط، ثم ينهض ويواصل. وكلما اقتربت منه ابتعد أكثر. يا إلهي، أين أمّ هذا الطفل؟
عبر مسافة طويلة حتى اقترب من المسجد المجاور للحديقة، وأنا خلفه لا أفكر إلا في سيارة قد تظهر فجأة، أو سائق لا ينتبه إلى هذا الكائن الصغير.
أخيرًا أمسكت به. أمسكت بذراعه الصغيرة برفق، وكأنني أمسكت بقلبي بعدما ظل يركض أمامي طوال تلك الدقائق.
نظرت إليه. كان هادئًا على نحو غريب، لا يدرك شيئًا مما فعله بي، ولا حجم الخوف الذي بعثرني. حاولت أن أسأله عن أمه، لكنه لم يكن قد تعلّم الكلام بعد.
أخذت بيده وبدأت أدور به في الحديقة، أبحث عنها، وأقول في نفسي: لعلها الآن تبحث عنه بجنون، لعلها تركض في الاتجاه الآخر، لعل قلبها يكاد يخرج من صدرها.
درت به حتى وصلت إلى امرأتين تجلسان تتسامران وتضحكان. اقتربت منهما. نظرت إليّ إحداهما، ثم إلى الطفل الذي أمسك بيده. اتسعت عيناها، ووضعت كفيها على وجهها:
— يا ويلي! أين كنت؟!
كانت أمّه.
وقفتُ أنظر إليها، وما زال قلبي يضرب بعنف. هذا الصغير الذي عبر الشارع، وركض بين السيارات، وكاد في لحظة واحدة أن يتحول كل شيء بسببه إلى مأساة، كانت أمّه هنا تتحدث وتضحك.
أعطيتها طفلها.
قالت: «الله يعافيك.»
ثم سكتت.
لم أتمالك نفسي. عاتبتها على غفلتها بكلماتٍ حملت كل الخوف الذي عشته في تلك الدقائق. لم أرفع صوتي، لكن يدي كانت ترتجف وأنا أتكلم، وعيناي لا تفارقان الطفل كأنني ما زلت أخشى أن يفلت مني مرة أخرى. ربما كنت قاسية، لكن صورته وهو يركض بين السيارات كانت لا تزال أمام عيني، وكأنني أرى ما كان يمكن أن يحدث لا ما حدث فعلًا.
دفعت الصغير نحوها برفق، وتركته في أمانتها، ثم عدت إلى طفلتي.
كانت الأرجوحة ما تزال هناك، وظهري الذي احتج قبل دقائق على دفعات صغيرة إلى الأمام والخلف، لم أعد أشعر به. كنت أفكر في شيء آخر:
في المرأة التي ركضت لتنقذ ابنها وتركت الطفل الآخر.
وفي أمّ الطفل التي لم تعرف أنه غاب عنها.
وفيّ أنا، التي ركضت خلف طفل لا أعرف اسمه، ولا يعرف اسمي، وشعرت طوال الطريق أن قطعة من قلبي هي التي تركض بين السيارات.
تذكرت عبارة كنت أرددها عن نفسي، مرة جادة ومرة ساخرة: «أمّ… ولكن مع إيقاف التنفيذ.»
ابتسمت وأنا أنظر إلى طفلتي على الأرجوحة.
يبدو أنني ظلمت أمومتي كثيرًا.
فبعض الأشياء لا تحتاج إلى شهادة ميلاد كي تولد فينا.



