حين ترى المدرسة سلوك الطفل وتنسى الطفل :

✍️ ناهد شما – كاتبة رأي :
مع بداية كل عام دراسي، يعود الأطفال إلى مقاعدهم حاملين أحلامًا صغيرة لا يعرفون كيف يعبّرون عنها. وبينهم طفل قد لا يجلس طويلًا، ولا ينتظر دوره في الحديث، وقد يتشتت سريعًا أو ينسى ما طُلب منه. فيراه البعض طفلًا مشاغبًا، بينما قد تكون الحقيقة أنه طفل يحتاج إلى أن نفهمه قبل أن نحكم عليه.
الطفل الذي يعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يختار أن يكون كثير الحركة، ولا يتعمد أن يقطع الدرس أو ينسى واجباته. وحين نكرر أمامه أنه مهمل أو لا يركز أو يزعج الآخرين، فإننا لا نصلح سلوكه بالضرورة، بل قد نزرع داخله صورة سلبية عن نفسه. ومع مرور الوقت، قد يتوقف عن المحاولة لأنه بدأ يصدق أن الفشل هو المكان الذي ينتمي إليه.
وهنا تظهر أهمية المعلم. فالمعلم الحقيقي لا يكتفي بأن يرى ما يفعله الطفل، بل يحاول أن يفهم ما وراء هذا السلوك. قد يحتاج الطفل إلى تعليمات أوضح، ومهام مقسمة، ووقت مناسب، وتشجيع عندما ينجح، بدل أن تكون أخطاؤه هي الشيء الوحيد الذي يلفت الانتباه. وهذا لا يعني التساهل معه أو إلغاء قواعد الصف، بل يعني أن نعامله بعدل، وأن نساعده على الالتزام بدل أن نعاقبه على عجزه عن الالتزام بالطريقة المعتادة.
فالطفل ليس تشخيصًا، وليس مشكلة داخل الصف. إنه إنسان صغير لديه قدرات ومواهب ربما لا تظهر بالطريقة التي اعتدنا عليها. وقد يكون الفرق بين طفل يفقد ثقته بنفسه وطفل يكتشف قدراته هو معلم واحد قال له في الوقت المناسب: «أنت تستطيع، فلنبحث معًا عن الطريقة التي تناسبك.»
إن المدرسة لا تنجح فقط عندما تخرّج المتفوقين، بل عندما تمنح كل طفل فرصة عادلة ليكتشف قدرته على النجاح. والدمج الحقيقي لا يعني أن يجلس الطفل مع زملائه في الصف فحسب، بل أن يشعر بأنه واحد منهم، وأن اختلافه لا يجعله أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للتقدير.
لذلك، قبل أن نسأل: لماذا يتحرك هذا الطفل؟ ولماذا لا يركز؟ ولماذا يكرر الخطأ؟ ربما علينا أن نسأل سؤالًا أعمق: هل حاولنا أن نعلّمه بالطريقة التي يستطيع أن يتعلم بها؟
فأحيانًا لا يحتاج الطفل إلى معلم أكثر صرامة، وإنما إلى معلم أكثر فهمًا. ولا يحتاج إلى كلمات كثيرة عن أخطائه، وإنما إلى فرصة حقيقية ليرى نجاحه. وربما كان أكثر ما يحتاج إليه هو أن يشعر بأن المدرسة مكان يراه كما هو، لا كما تصفه أخطاؤه.
فالطفل الذي نراه اليوم مشاغبًا قد يصبح غدًا صاحب موهبة لا تُقدّر بثمن، إذا وجد من يكتشفها. أما إذا قضى سنواته الدراسية وهو يسمع أنه المشكلة، فقد يخرج من المدرسة وهو يحمل معه اعتقادًا أخطر من أي درجة منخفضة: أنه غير قادر.
وهنا تكون مسؤوليتنا جميعًا؛ معلمين وأسرًا ومدارس ومجتمعًا. أن نربي الطفل دون أن نكسر ثقته بنفسه، وأن نصحح سلوكه دون أن نهدم صورته عن ذاته، وأن نعلّمه أن الاختلاف ليس عيبًا، وأن لكل طفل طريقته الخاصة في الوصول إلى النجاح.
لأن التعليم الحقيقي لا يبدأ حين نطلب من الطفل أن يتغير، بل حين نتعلم نحن كيف نصل إليه.
للتواصل: [email protected]



