كتاب الرأي

من دوامة التفكير إلى رحابة الحياة : كيف أنقذتني وصية

  ✍️ أروى بنت مسلط العتيبي- كاتبة رأي :

هناك فرق كبير بين أن تفكر في حياتك
وبين أن تقضي حياتك تفكر
فالتفكير نعمةٌ حين يقود إلى قرارٍ أو حلٍّ أو وعيٍ لكنه حين يتجاوز حدوده يتحول بهدوءٍ إلى عبءٍ يسرق من الإنسان لحظته ويجعله يعيش في احتمالاتٍ لا وجود لها ويعيد مواقفَ انتهت ويحلّل كلماتٍ قيلت منذ زمنٍ وكأن الوصول إلى تفسيرٍ كاملٍ لكل شيءٍ سيمنحه الطمأنينة
التفكير المفرط لا يعني دائمًا أن الإنسان ضعيف أو متشائم فقد يكون صاحبه شديدَ الملاحظة كثيرَ التأمّل حريصًا على التفاصيل لكنه يقع في فخّ البحث المستمر عن اليقين
ماذا لو
لماذا قالها بهذه الطريقة
ماذا كان يقصد
ماذا سيحدث غدًا
ماذا لو ساءت الأمور
ثم يبدأ العقل في بناء قصةٍ كاملةٍ من سؤالٍ صغير
والأخطر أن يعيش المرء مشاعرَ حقيقيةً تجاه احتمالاتٍ لم تحدث بعد فيتعب من شيءٍ لم يقع ويحزن على شيءٍ لم يفقده ويخاف من مستقبلٍ لم يصل
ومع الوقت لا يبقى التفكير داخل الرأس فقط بل يبدأ بالظهور في الحياة فيؤثر على القرارات والعلاقات والنوم والإنجاز وحتى القدرة على الاستمتاع باللحظات الجميلة
وقد يبدأ الإنسان في تحليل الشيء الجميل نفسه حتى يفسده
يأتيه أمرٌ يفرحه فيبدأ بالسؤال متى سينتهي
يعيش لحظةً مطمئنةً فيبدأ بالخوف من فقدانها
يحقّق شيئًا جميلًا فينشغل بما قد يحدث بعده
وهنا لا تعود المشكلة في الفكرة نفسها بل في الاستغراق فيها
ومن أجمل الطرق التي يمكن أن تساعد على كسر هذه الدائرة أن يتعلم الإنسان الانتقال من التفكير إلى الفعل!
ومن التجارب التي أثرت فيني في هذا المعنى وصية تلقيتها منذ سنوات من خالي -رحمه الله- حين أوصاني ألا أستغرق في التفكير وعلمني أن أمتلئ بما يشغلني وينفعني وأن أقطع الطريق على الفكرة حين تبدأ في التحول من تفكيرٍ مفيدٍ إلى دورانٍ لا نهاية له
كانت الفكرة بسيطةً لكنها تحمل معنىً عميقًا
حين يبدأ العقل في الدوران لا تمنحه فراغًا إضافيًا ليدور فيه
انتقل إلى شيءٍ حقيقي
اعمل واقرأ واكتب وتحرك ورتب يومك ومارس هوايةً وتعلم شيئًا وتحدث مع من تحب
اخرج من المكان الذي يجعلك غارقًا في أفكارك
ليس الهدف أن تهرب من المشكلة بل أن تمنع عقلك من استهلاكك دون نتيجة
ولذلك يمكن لكل شخصٍ يعاني من التفكير المفرط أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا كلما بدأت الدوّامة
(هل يوجد شيءٌ أستطيع فعله الآن؟)
إن كانت الإجابة نعم فليكن الفعل هو الخطوة التالية
وإن كانت الإجابة لا فربما حان الوقت لترك الأمر وعدم تحويل العجز عن تغييره إلى ساعاتٍ من القلق
ومن المفيد أيضًا كتابة الفكرة حين تتكرر بدل حملها طوال اليوم ثم تحديد ما يمكن فعله بشأنها وما لا يمكن التحكم فيه
ما نستطيع تغييره يحتاج منّا فعلًا
وما لا نستطيع تغييره يحتاج منّا قبولًا وتسليمًا
أمَّا الدوران بين الاثنين فلن يصنع حلًّا
ومن المهم كذلك أن نتذكر أن الفكرة ليست حقيقةً لمجرد أنها مرت في أذهاننا
والاحتمال ليس واقعًا
والخوف ليس دليلًا
والمستقبل لا يحتاج منا أن نعيشه قبل أن يصل
فلا تجعل عقلك يحاكم موقفًا لم يحدث ولا تفسد يومًا جميلًا خوفًا من يومٍ قد لا يأتي
والتخفف من التفكير المفرط لا يعني الوصول إلى عقلٍ خالٍ من الأفكار فهذا غير ممكنٍ ولا مطلوب
المقصود أن تتغير علاقتك بالفكرة
أن تأتي فلا تسكن
أن تقلقك فلا تقودك
أن تمر دون أن تمنحها ساعاتٍ من عمرك
ومع الوقت قد تكتشف أن الحياة لم تكن تحتاج كل ذلك التحليل الذي كنت تمنحه لها
وأن كثيرًا من الأمور التي أخافتك لم تحدث
وكثيرًا من المواقف التي بحثت لها عن تفسيرٍ انتهت دون أن تعرف تفسيرها
ومع ذلك استمرت الحياة
وهنا تكمن الفكرة الأهم
ليس مطلوبًا منك أن تفهم كل شيءٍ حتى تطمئن
ولا أن تعرف كل ما سيحدث حتى تمضي
ولا أن تملك إجابةً لكل سؤالٍ حتى تعيش
يكفي أن تعرف ما تستطيع فعله اليوم ثم تفعله
وما لا تستطيع فعله فاتركه لله
فالحياة تحدث في اللحظة التي نعيشها لا
في الاحتمالات التي نصنعها داخل رؤوسنا
وكلما وجدت نفسك عالقًا في دوامة التفكير
تذكر أنك لا تحتاج دائمًا إلى فكرةٍ جديدة
ربّما تحتاج فقط إلى خطوة
خطوةٌ تعيدك من رأسك إلى حياتك
ومن الاحتمال إلى الواقع
ومن القلق إلى الفعل
ومن التفكير الذي يستنزفك إلى الحياة التي تنتظرك! .

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى