*العتمة.. مِصباح* *مُؤجل*

✍️نورة الثقفي- كاتبة رأي :
في الظلام، تتبدل ملامح الأشياء؛ البابُ المألوف يغترب، والطريقُ الذي حفظناه يضلُّنا. حتى وجوهنا في المرآة تصبح غريبةً، لا تعرفها ولا تعرفنا. لكننا، في خضمِّ هذا التيه، نعتاد العتمة، نتحسس النوافذ ببطءٍ، حتى يصير الخروج في قلبها مألوفاً، بيد أن البقاء فيها ليس أهلاً.
كيف يسطع النورُ بعد كل هذا؟
لا يأتي كحادثةٍ صاخبة، ولا يطرق الأبوابَ بجَلَبة؛ بل يتسلل هادئاً كفكرةٍ تهمس: “ما زال في العمر متسع”.
قد نكتشف أن العتمة لم تكن في الخارج، بل كانت تسكن فينا، فنتوهم أننا في النور ونحن في أقصى دركات الغياب.
النور الحقيقي ليس انتظاراً ليدٍ تمتد، أو اعتذاراً ننتظره؛ بل هو أن تمرَّ بقلبٍ أوجعك ولا يرتجف نبضك، أن ترى وجهاً أنكرك ولا تنكسر. أن تدرك متأخراً أن الأبواب التي أُغلقت في وجهك، لم تكن سوى حمايةٍ أُغلقت “خلفك”.
إنها العتمة التي نزعت عن أبصارنا غشاوة الاتكال، ووضعتنا في منتصف المسافة بين “ما كان” و”ما لن يعود”، بلا خريطةٍ ولا دليل. هنا، في أشد المواضع ظلاماً، يحدث ما لا نتوقعه: لا ننهار، بل نبدأ الإصغاء. نكتشف بذهول المرة الأولى، أننا كنا نحمل المصباح طوال الوقت، لكننا لم نجرؤ على إشعاله.
فلا تخف يا صديقي إن طال مقام الدجى؛ فالعتمة ليست سرمدية، هي فقط تخبرك: أنت الطريق، وأنت المصباح. وحين يتسلل الفجر، ستنظر إلى الوراء بهدوءٍ يشبه الفهم المتأخر، وتدرك أخيراً.. كيف تضيء.



