النسخة التي لم نخطط لها

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
حين كنا صغاراً، كان الكبار يسألوننا دائماً:
ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟
وكان السؤال بسيطاً، لكن أحلامنا كانت كبيرة.
منا من قال: طبيب.
ومنا من قال: مهندس.
ومنا من رسم لنفسه حياة كاملة قبل أن يعيشها.
لم نكن نذكر المهن فقط، بل كنا نُسمي الأحلام التي ظننا أنها ستُعرفنا إلى الأبد.
لكن الحياة كانت تعرف عنا ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا.
فكبرنا…
ولم يصبح كثير منا ما قاله يوماً.
لا لأننا فشلنا، ولا لأن أحلامنا كانت وهماً، بل لأن الأيام كشفت لنا طرقاً لم نكن نراها، وأضاء الله لنا من البصيرة ما جعلنا نختار، أو نُقاد، إلى ما هو أقرب إلينا، وأنفع لنا، وأصدق مع أرواحنا.
وفي البداية، لم يكن من السهل تقبل ذلك.
فداخل كل إنسان، تعيش نسخة قديمة من أحلامه، تعود إليه بين حين وآخر، وتسأله بصوت خافت:
أهذا ما كنت أريده حقاً؟
فبعض أحلام الطفولة تشبه ثياباً أحببناها كثيراً لكننا كبرنا عنها، لا لأنها كانت سيئة، بل لأننا لم نعد الأشخاص أنفسهم.
وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة.
بين ما تخيلناه لأنفسنا يوماً، وبين ما أصبحنا عليه بالفعل.
لكن مع مرور السنوات، يحدث شيء مختلف.
نتوقف عن سؤال الحياة: لماذا لم تمنحني ما أردت؟
ونبدأ بسؤال أكثر هدوءاً:
ماذا لو أن ما وصلت إليه، كان هو ما أحتاجه فعلاً؟
شيئاً فشيئاً، نكتشف أن الإنسان لا يعيش نسخة واحدة من نفسه.
فما كان يراه نجاحاً في العشرين، قد لا يعني له الشيء نفسه في الأربعين.
وما كان يتمسك به بشدة، قد يبتسم حين يتذكر كيف كان يظنه أهم مما هو عليه.
ليس لأن أحلام الأمس كانت خاطئة…
بل لأن الإنسان نفسه لم يعد كما كان.
فالسنوات لا تُغير أعمارنا فقط، بل تُغير فهمنا، وأولوياتنا، وحتى تعريفنا للنجاح والسعادة.
ثم تأتي لحظة نادرة…
لا يفرح فيها الإنسان بما حققه فقط، ولا يتحسر على ما فاته.
بل ينظر إلى نفسه بهدوء، ويُدرك أن النسخة التي يعيشها اليوم…
لم تكن ضمن أحلام الطفولة.
ومع ذلك، لا يشعر بالغربة عنها.
بل يشعر، للمرة الأولى، أنها تشبهه.
ولعل أجمل ما تمنحه لنا الحياة، ليس أن تحقق لنا كل ما تمنيناه…
بل أن تكشف لنا، مع الأيام، أن بعض ما لم نحصل عليه، لم يكن ينقصنا، وأن بعض ما وصلنا إليه، كان خيراً مما تخيلناه لأنفسنا.
فأحياناً لا نصل إلى النسخة التي حلمنا بها، بل إلى النسخة التي كانت، في علم الله، أصلح لنا وأقرب إلى حقيقتنا.
للتواصل : [email protected]



