حين أصبح الموت خبرًا عابرًا

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
كان الموت ضيفًا مهيبًا فلم يكن مجرد حدث يقع في نهاية العمر، لكنه كان زلزالًا يهز القرية بأكملها، ويترك أثره في النفوس طويلًا، وكانت البيوت تصمت لأجله، والقلوب ترتجف عند ذكره، والناس يرون فيه مرآةً تذكرهم بفنائهم وضعفهم وقصر رحلتهم فوق هذه الأرض.
أما اليوم، فيبدو أن علاقتنا بالموت قد تغيرت على نحو غريب جداً، لا لأن الموت تغير، فهو ما زال الحقيقة الأكثر يقينًا في حياة الإنسان، بل لأننا نحن الذين تغيرنا فقد أصبح الموت يمر بيننا كما تمر الأخبار اليومية، نسمع به صباحًا ونعود إلى أعمالنا ظهرًا، وننشغل بأحاديثنا مساءً، وكأن شيئًا لم يكن.
حتى حين يرحل قريب أو صديق، نشعر بالحزن بلا شك، لكن ذلك الحزن لم يعد يشبه ذلك الإرتجاج العميق الذي كان يوقظ الإنسان من غفلته، أصبح الموت بالنسبة للكثيرين مناسبة إجتماعية أكثر منه لحظة وجودية، نتبادل عبارات العزاء و نستقبل المعزين ثم نعود سريعًا إلى إيقاع الحياة المعتاد، وكأن الموت لم يعد يقطع مجرى الأيام، ولكنه أصبح يومًا آخر يضاف إلى جدول أعمالنا.
ولعل السبب في ذلك أن عصرنا يعيش حالة من التخمة الوجودية، فشاشات الهواتف تنقل إلينا في كل يوم عشرات المآسي ومئات الوفيات، فنرى الحروب والكوارث والأجساد المنهكة حتى فقدت أرواحنا شيئًا من قدرتها على ردة الفعل أو الإستيعاب، لقد اعتادت أعيننا رؤية الموت حتى كدنا ننسى أنه ينتظرنا نحن أيضًا في نهاية الطريق.
و المفارقة المؤلمة أننا نتحدث عن الموت أكثر من أي جيل سبقنا، لكننا لم نتأمله حقيقتاً فنراه حاضرًا في الأخبار والأفلام والروايات، يختبئ بين ثنيانا، نعرف أنه حقيقة لكننا نتعامل معه وكأنه إحتمال بعيد لا يخصنا.
إن التأمل في الموت ليس دعوة إلى الحزن لكنه دعوة إلى الحياة، فالإنسان حين يدرك هشاشته يصبح أكثر رحمة، وأكثر امتنانًا، وأقل انشغالًا بالتوافه، ولكن حين يغيب الموت عن الوعي، أو يتحول إلى مشهد مألوف ، فإن الإنسان يبدأ في العيش وكأنه خالد، فيؤجل الحب والكلمات الطيبة والاعتذارات.
والمؤلم أن هيبة الموت لا تضيع حين يرحل الغرباء فقط، إنما حين يرحل الأحبة، لقد أصبح إيقاع الحياة أسرع من أن يمنح الحزن حقه الكامل فالمواعيد تنتظرنا، والعمل لا يتوقف، والإشعارات تتدفق، والعالم يمضي غير مكترث بخساراتنا، وهكذا يجد الإنسان نفسه مدفوعًا للعودة إلى الحياة بسرعة، لا لأنه تجاوز الفقد، ولكن لأن الزمن الحديث لا يمنحه فرصة كافية للتوقف عنده.
لكن الموت، رغم كل شيء، ما زال يحمل رسالته القديمة، إنه يذكرنا بأن العمر ليس مشروعًا مفتوحًا بلا نهاية، وأن الذين نجلس معهم اليوم قد لا نجلس معهم غدًا، وأن الكلمات المؤجلة قد تبقى معلقة إلى الأبد.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل ليس: لماذا أصبح الموت خبرًا عابرًا؟ ولكن السؤال الأهم: ماذا خسرنا نحن حين تحول أعظم يقين في حياتنا إلى حدث مألوف لا يوقظ فينا إلا حزنًا عابرًا قبل أن نعود إلى انشغالاتنا من جديد؟
فرحم الله أبي وأقاربي وكل أموات المسلمين اللهم أمين.
للتواصل : [email protected]



