كتاب الرأي

(سيرة قلب) “قراءة في فلسفة المحبة عند الإمام ابن القيم من كتاب «الداء والدواء»”

✍️ أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبه سعودية:

حين يكتب الإمام ابن قيم الجوزية عن المحبة فإنه لا يكتب عن عاطفة تطرق القلب ثم ترحل ولا عن ميل يتبدل بتبدل الأيام وإنما يكتب عن القوة التي تحرك الإنسان في أقواله وأفعاله وعن البوصلة التي يتجه إليها القلب فيصير الإنسان صورة لما أحب وأثرًا لما تعلقت به روحه.

وفي كتاب الداء والدواء لا يقف ابن القيم عند ظاهر المشاعر بل ينفذ إلى أعماقها فيكشف أن القلب لا يمكن أن يعيش بلا محبوب وأن السؤال الحقيقي ليس هل يحب الإنسان أم لا بل ماذا يحب وإلى أين يقوده هذا الحب لأن المحبة في نظره هي أصل الأعمال ومنها تتولد الإرادات وبها تستقيم الحياة أو تضطرب.

وينطلق ابن القيم من حقيقة راسخة وهي أن القلب مفطور على محبة خالقه وأنه لا يجد طمأنينته الكاملة إلا إذا استقرت هذه المحبة في صدره واستعلت على سائر المحاب فكلما ازداد العبد معرفة بالله ازداد له حبًا وكلما امتلأ القلب بهذا الحب خفت عنه أثقال الدنيا وصغرت في عينه كل المحاب التي تزول.

ولهذا يجعل المحبة شجرة تضرب جذورها في تربة الإخلاص وتسقى بماء الذكر وتنمو بأنوار المعرفة حتى تؤتي ثمارها طاعة ورضًا وسكينة فالعبودية في حقيقتها ليست تكليفًا مجردًا وإنما هي ثمرة المحبة الصادقة إذ لا يثقل على القلب ما يؤديه إلى محبوبه.

وفي المقابل يبين أن القلب إذا خلا من محبة الله لم يبق فارغًا بل يبحث عن محبوب آخر يملأ فراغه وربما تعلق بما لا يدوم حتى يغدو أسيرًا له فيظن أنه يملكه بينما يكون هو المملوك لذلك التعلق وهنا لا يهاجم ابن القيم أصل المحبة وإنما يدعو إلى تهذيبها وردها إلى موضعها الصحيح حتى تكون جميع المحاب تابعة لمحبة الله لا مزاحمة لها.

ومن أبدع ما يقرره في هذا الباب أن التعلق لا يبدأ دفعة واحدة بل يتكون في صمت إذ تبدأ الحكاية بنظرة ثم تستقر خاطرة ثم تتكرر فكرة حتى يجد القلب نفسه متعلقًا بما كان يستطيع أن يعرض عنه في بدايته ولهذا كان غض البصر عنده حفظًا للقلب قبل أن يكون حفظًا للعين لأن العين هي أول طريق يصل منه الأثر إلى الفؤاد.

ولا يكتفي الإمام بتشخيص الداء بل يصف الدواء أيضًا فيجعل الإخلاص أعظم ما يحرس القلب ويجعل الذكر غذاءه والمعرفة نوره واللجوء إلى الله حصنه المنيع ويستشهد بقصة يوسف عليه السلام في قوله تعالى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ليبين أن القلب إذا امتلأ بالله ضاقت فيه السبل أمام كل تعلق يزاحمه.

وهكذا ينتهي ابن القيم إلى أن الإنسان لا يقاس بكثرة ما يملك وإنما بسلامة ما يحب لأن المحبة هي التي ترسم وجهة القلب وتصنع مصيره فإذا كانت لله أصبحت مصدرًا للحياة والسكينة وإذا انصرفت إلى ما يفنى أورثت صاحبها قلقًا لا ينتهي.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يتركها الداء والدواء في نفس قارئه وهي أن السكينة ليست شيئًا يبحث عنه الإنسان خارج نفسه وإنما ثمرة قلب عرف محبوبه الحق فاستقرت فيه المحبة واستقامت بها الحياة وصار كل حب بعدها فرعًا من ذلك الأصل العظيم.

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى