«امح كل قطرة حزن بجرعة من سعادة»

✍️أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
قد تأتيك الحياة بما يثقل قلبك حتى تشعر أنك فقدت قدرتك على النجاة
فتغرق في التفكير وتعيد المشهد مرة بعد مرة وتسبح طويلًا في بحر من الحزن
حتى تنسى أن الحزن شعور عابر وليس وطنًا
وأنك مهما ابتعدت في موجه ما زال لك شاطئ تستطيع العودة إليه
ليس المطلوب أن تنكر حزنك
بل ألا تسلمه قلبك
أن تشعر به دون أن تجعله يبتلعك
وأن تعرف متى تتوقف عن السباحة في مياهه وتبدأ رحلة العودة إلى نفسك
فليس مطلوبًا منك أن تكون سعيدًا طوال الوقت
ولا أن تبتسم في وجه الحياة كلما أوجعتك
فالحزن جزء من الإنسان كما الفرح
والأيام لا تمضي على وتيرة واحدة
مرة ترفعنا إلى أعلى موجة من الأمل
ومرة تقذف بنا إلى شاطئ لم نخطط للوصول إليه
لكن هناك فرق بين أن تحزن
وأن تستسلم للحزن
أن تمر بالمشاعر المؤلمة شيء
وأن تجعلها تقيم في داخلك شيء آخر
فالحزن بحر
يمكنك أن تنظر إليه فتتعلم من موجه
ويمكنك أن تنزل إليه قليلًا لتغسل عنك تعب الأيام
لكن إن أطلت السباحة فيه دون أن تتذكر طريق العودة
فقد يتحول البحر الذي دخلته بإرادتك إلى بحر يأخذك بعيدًا عن نفسك
ولهذا حين يحاصرك الحزن
لا تمنحه حياتك كاملة
اترك لنفسك مساحة للتنفس
افتح نافذة يدخل منها الضوء
اقترب ممن يمنحون قلبك الطمأنينة
افعل شيئًا تحبه ولو بدا صغيرًا
امشِ قليلًا
اقرأ
اكتب
صل
ادع الله
اصنع قهوتك التي تحبها
وانتبه إلى الأشياء الجميلة التي ما زالت تحدث حولك بينما أنت منشغل بما يؤلمك
فأحيانًا لا نحتاج إلى أن تتغير حياتنا كلها حتى نشعر بالسعادة
نحتاج فقط إلى أن نسمح للحظات الصغيرة أن تصل إلينا
امح كل قطرة حزن بجرعة من سعادة
ليس المقصود أن تنكر حزنك أو تتظاهر بأنك بخير
بل أن تمنع الحزن من أن يصبح اللغة الوحيدة التي تتحدث بها مع نفسك
إذا خسرت شيئًا فاحزن عليه
لكن لا تنس ما بقي
إذا خذلك أحد فخذ وقتك في تجاوز خذلانه
لكن لا تجعل شخصًا واحدًا يعلّمك أن العالم كله لا يستحق الثقة
إذا أغلق باب في وجهك
اسمح لنفسك بالحزن على ما وراءه
ثم ارفع رأسك وابحث عن باب آخر
وإذا مررت بيوم ثقيل
فلا تحكم على حياتك كلها من خلال يوم واحد
فالليل مهما طال ليس دليلًا على غياب الشمس
والغيمة التي تحجب السماء لا تملك أن تلغي وجودها
نحن أحيانًا نحتاج إلى أن نذكر أنفسنا بأن المشاعر ليست أحكامًا نهائية
الحزن لا يعني أن حياتك حزينة
والخوف لا يعني أن القادم مخيف
والوحدة لا تعني أنك ستبقى وحيدًا
والتعب لا يعني أنك لن تستطيع الاستمرار
إنها مشاعر تمر بنا
وليست هويتنا
لذلك لا تجعل حزنك يعرفك
ولا تسمح لأيامك الصعبة أن تقنعك بأن الحياة كلها صعبة
تعلم أن تأخذ من الألم معناه دون أن تأخذ منه مقامه
وأن تتعلم من الخذلان دون أن تسكن فيه
وأن تخرج من التجربة أكثر وعيًا لا أكثر انطفاءً
ولأن بعض الكلمات لا تكتمل إلا حين تكون وراءها تجربة
فإنني لا أكتب عن عبور الحزن من نافذة بعيدة
بل أكتب عن طريق عرفته
وعن عتمة مشيت فيها
وعن شاطئ وصلت إليه بعد أن ظننت طويلًا أن الموج لن يهدأ
أنا أحد الذين عرفوا ظلمة النفق
لكنهم أبصروا نورًا في آخره
أحد الذين تجرعوا مرارة العسر
ثم ذاقوا حلاوة التيسير
من أولئك الذين غاصوا في أعماق الظلام
لكنهم صنعوا من أمل النور طوق نجاة
وعرفت أن الإنسان قد يمر بأيام يظن فيها أن الحزن أكبر من قدرته
ثم يكتشف بعد عبورها
أنه كان أقوى مما ظن
وأن الله كان يهيئ له في قلب العسر طريقًا إلى الجبر
واليوم أقول بكل يقين
لولا قساوة الصبر
لما استطعنا أن نستلذ بحلاوة الجبر
ومن هنا تعلمت أن الألم مهما طال
لا ينبغي أن يكون آخر الحكاية
وأن ما يوجعنا اليوم قد يصبح غدًا شاهدًا على قدرتنا على العبور
اصنع لنفسك في كل يوم سببًا واحدًا على الأقل لتبتسم
ولو كان صغيرًا
فالأشياء الصغيرة حين تتكرر تصنع في الروح فرقًا كبيرًا
اجمع لحظاتك الجميلة كما يجمع البحر قطراته
فربما جاءت لحظة احتجت فيها إلى أن تتذكر أن الحياة لم تكن يومًا كلها وجعًا
وحين يعود الحزن إليك
لا تخف منه
اجلس معه قليلًا
افهم ما يريد أن يخبرك به
ثم قل له بهدوء
لقد سمعتك
لكنني لن أغرق معك
سأعود إلى الشاطئ
سأعيش
سأحاول
سأضحك
سأحب
سأبدأ إن تطلب الأمر من جديد
سأشرق حتمًا للبعيد
وسأمنح الغد فرصة لم يمنحها لي الأمس
فالحياة لا تطلب منا ألا نحزن
بل تطلب ألا نتوقف عند الحزن
ولا بأس أن تمطرنا غيمة الشعور
لكن الذي لا نرضاه أن تحجب عنا الأفق الرحب
تذكر دائمًا مهما طال بك موج الضيق أن مكانك ليس في قاع الحزن بل على شاطئ النجاة وبر السعادة والأمان
فاحزن حينًا وابكِ حينًا
ثم امسح دمعك وامضِ
فخلف كل موجة شاطئ
وخلف كل ليل فجر
وخلف كل حزن حياة تنتظر أن تعود إليها
امح كل قطرة حزن بجرعة من سعادة
فما دام في قلبك نبض
فثمة شاطئ يستحق أن تبلغه
للتواصل: [email protected]



