كتاب الرأي

ملايين “فيفا” العابرة للقارات: كواليس الثروة المخفية خلف أقدام نجوم المونديال

     ✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:

لم تعد بطولة كأس العالم مجرد ساحة تشتعل فيها عواطف الجماهير وتتنافس فوق عشبها المنتخبات، بل تحولت في كواليسها إلى واحدة من أضخم الآلات الاقتصادية في تاريخ الرياضة الحديثة. فخلف الستار المستور، تفرض لغة الأرقام سطوتها، وتدير شراكة استراتيجية بالغة التعقيد بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والأندية العالمية، التي غدت تجني أرباحاً طائلة طوال مدة المونديال؛ بفضل برنامج (دعم الأندية) الذي يعيد صياغة مفهوم الاستثمار الرياضي.

ولادة الشراكة: من صراع المصالح إلى مظلة الملايين
تأسس هذا النظام المالي الفريد في عام ٢٠٠٨ ميلادياً، بعد جولات مريرة من المفاوضات بين الفيفا ورابطة الأندية الأوروبية (ECA). وكان المحرك الأساسي لهذا الاتفاق هو وضع حدٍ للخلاف الأزلي حول أحقية المنتخبات في استدعاء النجوم، وبناء مظلة تعويضية عادلة للأندية التي تتحمل الرواتب الباهظة للاعبيها، وتغامر بفقدان خدماتهم بسبب شبح الإصابات والإجهاد البدني في المحافل الدولية.

لغة الأرقام: طفرة تاريخية في طريقها لـ ٢٠٢٦
شهدت القيمة المالية المخصصة للتعويضات قفزات فلكية تبرهن على النمو التجاري الكبير للبطولة. ووفقاً لآخر التحديثات، استقرت قيمة التعويض اليومي عند حاجز ١١,٠٠٠ دولار أمريكي (أحد عشر ألف دولار) عن كل لاعب، يبدأ احتسابها قبل ركلة البداية بـ ١٠ أيام (خلال المعسكرات التحضيرية)، وتستمر حتى اليوم التالي لخروج منتخب اللاعب من المنافسة.
وتأكيداً على هذا الالتزام، رصد الفيفا ميزانية قياسية بلغت ٣٥٥,٠٠٠,٠٠٠ دولار أمريكي (ثلاثمئة وخمسة وخمسين مليون دولار) لتغطية برنامج توزيع الأرباح في مونديال ٢٠٢٦، مسجلة زيادة نوعية تتجاوز ٧٠٪ مقارنة بنسختي ٢٠١٨ و٢٠٢٢ اللتين توقفت ميزانيتهما عند عتبة ٢٠٩,٠٠٠,٠٠٠ دولار.

السطوة السعودية القارية: أندية الملايين تتصدر المشهد الآسيوي
ولم تكن الأندية السعودية بمعزل عن هذه الطفرة المليارية؛ بل فرضت هيمنتها المطلقة على القارة الآسيوية كأعلى الأندية جنياً للأرباح في مونديال قطر لعام ٢٠٢٢ ميلادياً، بإجمالي تعويضات تخطى حاجز الـ ٦,٥ مليون دولار أمريكي.
وتصدر نادي الهلال المشهد السعودي بعائدات بلغت ٢,١٣٥,٣٣٤ دولاراً، يليه النصر بـ ١,٥٩٩,٦٧٦ دولاراً، بينما نال الشباب ٦٥٧,٠٠٠ دولار، وحصد الاتحاد ٥٨٥,٠٠٠ دولار. والمفارقة التاريخية تجلت في نادي الأهلي الذي حقق ٤٩٢,٠٠٠ دولار رغم منافسته حينها في دوري الدرجة الأولى (يلو). وتوزعت بقية الأرباح على أندية أبها، والوحدة، والاتفاق، والفتح، والطائي؛ مما يبرهن على القيمة السوقية والفنية المتصاعدة لدوري روشن.

هندسة التوزيع: كيف تُقسم الكعكة المونديالية؟
لا تنظر المعادلة المالية للفيفا إلى النادي الحالي للاعب فحسب، بل تطبق مبدأ التضامن المالي بصرامة شديدة؛ إذ يقسم العائد اليومي البالغ ١١,٠٠٠ دولار على النادي أو الأندية التي مثلها اللاعب في العامين السابقين للبطولة.
ولم تعد هذه الطفرة قاصرة على النهائيات فقط، بل امتدت ذيولها لتشمل فترات التصفيات المؤهلة؛ حيث يضخ الفيفا نحو ٢,٣٦٠ دولاراً أمريكياً للنادي عن كل مباراة يخوضها اللاعب في التصفيات، مما يضمن تدفقاً مالياً مستمراً ينعش خزائن الأندية الصغيرة والعملاقة على حد سواء.

العائد الاستثماري: شريان حياة للميزانيات
تستغل إدارة الأندية هذه الهبات المالية غير المتوقعة كشريان حياة حقيقي لدعم استدامتها من خلال:
تحديث البنية التحتية: وتطوير الملاعب ومراكز الطب الرياضي.الاستثمار المستدام: بضخ الأموال في أكاديميات الشباب وفئات الناشئين.
ضبط التوازن المالي: ومواجهة العجز المالي الناتج عن التضخم في سقف أجور اللاعبين.في المحصلة، يصيغ هذا البرنامج حقيقة ثابتة؛ وهي أن كأس العالم ليس مجرد كرنفال كروي ينتهي بانتهاء الشوط الثاني من المباراة النهائية، بل هو دورة اقتصادية متكاملة تضمن دوران عجلة اللعبة، وتبقي العلاقة بين الفيفا والأندية في حالة توازن مدروس تقوده لغة الملايين.
             والسلام ؛؛؛

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى