لماذا نخاف من الاختلاف وهو أعظم ما أنقذ البشرية لماذا نحن مختلفون

✍🏼 سمسمه السعيد – كاتب سعودي :
منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذه الأرض وهو يبحث عمن يشبهه وينسى أن الله لم يخلق البشر ليكونوا نسخا متطابقة بل خلقهم ليكون كل واحد منهم عالما مستقلا يحمل فكرا لا يتكرر وروحا لا تشبه سواها وبصمة لا يستطيع أحد أن يصنع مثلها
لو كانت العقول متشابهة لما خرجت فكرة من الظلام ولو كانت القلوب متطابقة لما عرف الإنسان الرحمة ولا التسامح ولا الصبر ولو كانت الشخصيات صورة واحدة لما وجدت حضارة ولا اكتشاف ولا إبداع لأن كل إنجاز عظيم بدأ من إنسان تجرأ على أن يكون مختلفا
إن الاختلاف ليس مشكلة كما يصوره البعض بل هو أعظم هدية منحها الله للإنسان لأن الحياة لا تنمو بالتكرار بل بالتنوع ولا تزدهر بالأصوات المتشابهة بل بالأفكار التي ترى ما لا يراه الآخرون
كل إنسان يحمل داخله قصة لا يعلمها أحد وتجربة لا عاشها غيره ووجعا لا يشعر به سواه ولهذا فإنك حين تختلف مع إنسان فأنت لا تواجه رأيا فقط بل تواجه سنوات طويلة من التجارب التي صنعت ذلك الرأي ولذلك فإن احترام الاختلاف ليس مجاملة بل هو احترام لإنسان كامل لا تعرف من حياته إلا القليل
المأساة الحقيقية ليست أن تختلف العقول بل أن تتشابه الأحكام وأن يظن كل واحد أن الحقيقة تبدأ من عنده وتنتهي عنده وأن كل رأي لا يشبه رأيه يستحق الرفض وكل فكر لا يوافق فكره يستحق الإقصاء وهنا لا يموت الحوار فقط بل تموت معه الإنسانية
ليس كل من خالفك يريد هزيمتك وربما كان يريد أن يريك زاوية لم ترها من قبل وليس كل من ناقشك يحاول التقليل منك وربما كان يمنحك فرصة لتكتشف أن الحقيقة أكبر من أن يسجنها عقل واحد
الإنسان القوي لا يخشى الرأي المختلف لأنه يعرف أن الأفكار لا تهدمها المناقشة بل يقويها الحوار أما الضعيف فهو الذي يخاف من كل صوت لا يشبه صوته لأنه يدرك في أعماقه أن قناعته هشة لا تحتمل السؤال
تأمل هذا الكون فلن تجد نجمتين متطابقتين ولا ورقتين متماثلتين ولا بصمتين متشابهتين ولا روحين تسيران بالطريقة نفسها فكيف يريد بعض البشر أن تتطابق العقول بينما الكون كله بني على الاختلاف
ليس النضج أن تجعل الناس نسخة منك بل أن تمنحهم حق أن يكونوا كما خلقهم الله وليس الذكاء أن تربح كل نقاش بل أن تخرج من كل حوار بعقل أكبر وقلب أوسع ونظرة أعمق
إن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يثبت أن الآخرين مخطئون بل أن يتعلم كيف يحترم اختلافهم دون أن يفقد مبادئه وكيف يستمع دون أن يتخلى عن قناعاته وكيف يحب الناس رغم أنهم لا يشبهونه
وحين يدرك الإنسان أن الاختلاف ليس لعنة بل سنة من سنن الله وأن التنوع ليس تهديدا بل سر بقاء الحياة سيتوقف عن هدم الجسور وسيبدأ ببناء العقول لأن الأمم لا تنهض عندما يتفق الجميع على كل شيء بل تنهض عندما يختلفون باحترام ويتحاورون بوعي ويجعلون من اختلافهم طريقا إلى الحقيقة لا طريقا إلى العداوه .
للتواصل : [email protected]



