كتاب الرأي

الفرقُ بينَ التعاطفِ والضعفِ

         ✍️ سارة الانصاري – كاتبة رأي:

ثمةَ مواقفُ تكشفُ مقدارَ وفائنا لأنفسنا وللقيمِ التي نزعمُ أننا نحملها. ومن أشدها التباسًا أن نعرفَ كيفَ نتعاملُ بوعيٍ كاملٍ مع الهجرِ الصامتِ.

الهجرَ الصامتَ، وهو أن يتركَ أحدهم العلاقةَ معلقةً بينَ حضورٍ انتهى وأسئلةٍ عالقةٍ. وفي علمِ النفسِ يمكنُ مقاربةُ هذه التجربةِ من خلالِ مفهومِ «الفقدِ الغامضِ»؛ إذ ينسحبُ أحدهم عن حياتنا، بينما نتركُ له بدورنا حريةَ الغيابِ، فلا نحصلُ على نهايةٍ واضحةٍ تساعدنا على فهمِ ما جرى.

على كلِّ حالٍ، سنتجاوزُ المنسحبينَ من جوارنا، ولكن يظلُّ هناك زمنٌ يفاوضُ الأسئلةَ التي تركوها.

قد لا نكونُ آسفينَ؛ فقد حملوا عنا مشقةَ الوداعِ، وتركوا لنا فرصةً للنجاةِ من ألمِ النهاياتِ دونَ عناءٍ، ومنحونا مساحةً لبداياتٍ جديدةٍ.

أن يترككَ أحدهم بصمتٍ مطبقٍ، تلك إساءةٌ مطلقةٌ، وأن تحسنَ إليه لا يعني نسيانَ الإساءةِ، ولا فتحَ بابٍ أغلقه صاحبُه بإرادته. كما أنه لا يمثلُ محاولةً لاستعادةِ العلاقةِ أو استدراجِ تفسيرٍ متأخرٍ لما حدثَ. إنما هو تعبيرٌ عن «السلوكِ الاجتماعيِّ الإيجابيِّ»؛ أي الفعلُ الذي يقصدُ به تقديمُ النفعِ أو الدعمِ للآخرِ، مدفوعًا بالتعاطفِ والالتزامِ الأخلاقيِّ.

وهنا يظهرُ الفرقُ بينَ التعاطفِ والضعفِ؛ فالضعفُ قد يجعلُ الإنسانَ يتنازلُ عن حدوده خوفًا من خسارةِ الآخرِ، أما التعاطفُ الناضجُ فيسمحُ له بأن يقتربَ من ألمِ الآخرِ من غيرِ أن يتخلى عن كرامته. فمثلًا، في حالِ احتاجَ الطرفُ المنسحبُ إلى دعمٍ، نستطيعُ أن نتعاملَ معه بمنظورِ قوله تعالى: «ولا تنسوا الفضلَ بينكم»، ثم نعودُ إلى المسافةِ التي اختارها الغائبُ، من دونِ عتابٍ ولا انتظارٍ ولا محاولةٍ لإحياءِ علاقةٍ ماتَ صاحبُها.

هذه القدرةُ على الفصلِ بينَ إنسانيةِ الموقفِ وتاريخِ العلاقةِ صورةٌ من صورِ «النضجِ الانفعاليِّ». فالإنسانُ الناضجُ لا يجعلُ أخلاقَه ردَّ فعلٍ على أخلاقِ الآخرينَ، ولا يردُّ القسوةَ بالقسوةِ لمجردِ أن العدالةَ المجروحةَ في داخله تطالبُ بالمماثلةِ. إنه يعرفُ أن الحدودَ النفسيةَ تحميه من تكرارِ الأذى، بينما تحميه الرحمةُ من التحولِ إلى نسخةٍ أخرى ممن آذوه.

وقد يسيءُ الطرفُ الآخرُ فهمَ معاملتنا له بالحسنى، فيعدُّها ضعفًا أو حنينًا أو رغبةً في العودةِ. لكن قيمةَ الفعلِ الأخلاقيِّ لا تتحددُ دائمًا بتفسيرِ المتلقي؛ لأن بعضَ الأفعالِ نؤديها احترامًا لهويتنا الأخلاقيةِ، لا طلبًا لاعترافِ أحدٍ. نحنُ لا نتحكمُ في المعنى الذي يضعه الآخرونَ لتصرفاتنا، لكننا نتحكمُ في نقاءِ الدافعِ ووضوحِ الحدودِ.

أن نحسنَ لمن هجرنا يعني أننا نرفضُ أن نجعله قائدًا لسلوكنا. نعترفُ بأن ما حدثَ كان غيرَ لائقٍ، ومع ذلك لا نسمحُ له بأن ينتزعَ منا القدرةَ على الرحمةِ. فالتسامحُ الأخلاقيُّ هنا لا يعني المصالحةَ، والعفوُ الداخليُّ لا يلغي حقَّ الإنسانِ في أن يرفضَ فتحَ البابِ مرةً أخرى.

لعلَّ المعنى الأعمقَ للإنسانِ لا يظهرُ حينَ يحسنُ إلى من أحسنَ إليه؛ فذلك تبادلٌ مفهومٌ ومتوقعٌ، وإنما يظهرُ حينَ يستطيعُ أن يؤديَ واجبَ الرحمةِ تجاهَ من خذله، من غيرِ أن يهدرَ كرامته أو يخونَ ذاكرته. ففي لحظاتِ الحزن تسقطُ خصوماتٌ كثيرةٌ أمامَ حقيقةٍ واحدةٍ: أننا جميعًا عابرونَ، وأن الألمَ مهما كانت أسبابُه هو حالةُ ضعفٍ أكبرُ من أن نجعلها ساحةً صغيرةً لتصفيةِ الحساباتِ.

نذهبُ إليهم لأن الحزنَ يستحقُّ المجيءَ، نقفُ معهم لحظةً؛ لأن أخلاقَنا دعتنا، ثم نمضي بسلامٍ؛ فلا نطالبُهم بتفسيرٍ، ولا ننتظرُ منهم ندمًا، ولا نستخدمُ اوجاعهم جسرًا للعودةِ. يكفينا أننا لم ندعْ تصرفاتٍ غيرَ مقبولةٍ تنتصرُ على الإنسانِ فينا.

فالكرامةُ أن تحفظَ حدودَك، والرحمةُ أن تؤديَ واجبَك، والحكمةُ أن تعرفَ أن الأمرينِ يستطيعانِ السيرَ معًا، من غيرِ أن يهزمَ أحدُهما الآخرَ.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى