«قهوة البلد».. مشهد من جدة القديمة يوثّق حياة الخاسكية عام 1967

عنوان – إعداد وتقرير – عبدالله الحايطي :
تحتفظ الصور التاريخية لمدينة جدة بقدرة استثنائية على إعادة تفاصيل الحياة اليومية إلى الواجهة، ومن بينها صورة قديمة متداولة تعود إلى عام 1967م، وتُظهر أحد أزقة جدة البلد، وقد كُتب عليها: «قهوة البلد خلف عمارة الشربتلي – الخاسكية 1967».
وتكشف الصورة جانبًا من المشهد الاجتماعي الذي كان يميز جدة القديمة في تلك الحقبة؛ إذ تبدو الممرات الضيقة، والمحلات المتجاورة، والمقاعد الشعبية، وحركة الأهالي في قلب المنطقة التجارية، في صورة تعكس بساطة الحياة آنذاك وارتباطها بالأسواق والمقاهي والحرف.
الخاسكية.. قلب تجاري نابض
ارتبطت الخاسكية تاريخيًا بالحركة التجارية في جدة القديمة، ويعود تأسيس سوق الخاسكية، وفق وكالة الأنباء السعودية، إلى عام 1813م، أي قبل أكثر من قرنين، وظل السوق شاهدًا على جانب مهم من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في جدة .
وكان موقع الخاسكية قريبًا من البحر وميناء جدة، الأمر الذي جعلها جزءًا مهمًا من حركة التجارة وتبادل السلع، كما احتضنت الأسواق والمحال والمقاهي والمطاعم والأفران، واستقطبت شرائح متعددة من المجتمع، من التجار والحرفيين إلى العاملين في البحر .
المقهى.. أكثر من مكان لشرب القهوة
لم تكن المقاهي في جدة القديمة مجرد أماكن لتناول القهوة، بل كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية اليومية، وملتقى لأصحاب المهن والبحارة والتجار والموظفين وأهالي الحارات.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن المقاهي كانت تتوزع أحيانًا بحسب طبيعة مرتاديها ومهنهم، وأصبحت مجالس للتعارف وتبادل الأخبار والأحاديث، وهو ما منحها مكانة بارزة في النسيج الاجتماعي لمدينة جدة خلال منتصف القرن العشرين.
ومن هنا تأتي أهمية الصورة المتداولة؛ فهي لا توثق مبنى أو شارعًا فحسب، بل تقدم لقطة من الحياة اليومية في جدة قبل عقود من التحولات العمرانية والاجتماعية الكبرى .
عمارة الشربتلي.. شاهد معماري في قلب البلد
وتكتسب الإشارة إلى عمارة/بيت الشربتلي في الصورة أهمية خاصة، إذ يقع بيت الشربتلي ضمن جدة التاريخية، وقد شُيد عام 1916م، ويُعد من المباني التاريخية التي ارتبطت بتاريخ المنطقة العمراني والثقافي .
كما ارتبطت المنطقة المحيطة بعمارة الشربتلي بعدد من الأنشطة والأسواق والحرف؛ إذ توثق المصادر التاريخية وجود سوق البراغية بالقرب من عمارة الشربتلي، حيث كانت تُصنع برادع الحمير والبغال وسروج الخيل .
صورة تختصر ذاكرة مدينة
وتظهر في الصورة مجموعة من التفاصيل اللافتة؛ من بينها الملابس الشعبية، وطبيعة الجلسات، والأزقة المسقوفة، وواجهات المحال، إلى جانب الحركة البشرية التي كانت تمنح أسواق جدة القديمة طابعها الخاص.
كما تعكس الصورة طبيعة العمارة الحجازية في تلك المرحلة، حيث كانت المباني والأسواق تتجاور ضمن نسيج عمراني كثيف، وتوفر الممرات المسقوفة والظلال قدرًا من الحماية من حرارة الطقس.
وتؤكد المصادر أن جدة التاريخية اشتهرت بالأسواق المتخصصة والعامة، ومن بينها سوق الخاسكية، وقابل، والندى، والعلوي، إضافة إلى أسواق أخرى ارتبطت بالحرف والسلع المختلفة.
ذاكرة جدة في لقطة واحدة
بعد مرور نحو ستة عقود على التاريخ المدون على الصورة، تبدو تلك اللقطة اليوم بمثابة وثيقة بصرية لذاكرة جدة الاجتماعية والاقتصادية؛ فهي توثق مرحلة كانت فيها الخاسكية والبلد مركزًا نابضًا بالحركة، وكانت المقاهي والأسواق جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية.
وتبقى مثل هذه الصور ذات قيمة كبيرة في قراءة تاريخ المدن؛ لأنها لا تكتفي بتوثيق المباني، بل تحفظ ملامح الناس وأسلوب حياتهم وتفاصيل الأسواق والأماكن التي صنعت ذاكرة المكان.
وتواصل جدة التاريخية اليوم حضورها بوصفها إحدى أهم مناطق التراث العمراني والثقافي في المملكة، بما تضمه من مبانٍ وأسواق وحارات تستحضر تاريخ المدينة وتحافظ على جانب من هويتها الحجازية الأصيلة .



