رمضان يجمع الذاكرة الكويتية بروح المكان

عنوان – إعداد وتجميع – عبدالله الحايطي :
تستعيد مدينة الخبر خلال شهر رمضان المبارك جانبًا من ذاكرتها الاجتماعية القديمة، حين كانت الأسواق والأحياء تجمع أبناء المنطقة والقادمين من دول الخليج في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية والتجارية التي نشأت بين سكان الخليج العربي على امتداد عقود.
وتبرز في هذا السياق الذكريات المرتبطة بوجود الأسر والتجار الكويتيين في الخبر، وما صاحبها من عادات رمضانية واجتماعية تركت حضورًا واضحًا في الذاكرة الشعبية، خصوصًا في الأسواق القديمة التي كانت تعج بالحركة قبل الإفطار وبعد صلاة التراويح.
وتوثّق الصورة المرفقة جانبًا من ملامح الأسواق القديمة في الخبر، حيث تظهر المحال التجارية والباعة والمتسوقون في مشهد يعكس طبيعة الحياة التجارية والاجتماعية في تلك الحقبة، ويمنح صورة حية عن بساطة المكان وحيوية الحركة التجارية في ذلك الزمن.
«الغبقة».. مائدة تجمع الأهل والجيران
ومن أبرز العادات الكويتية المرتبطة بشهر رمضان الغبقة، وهي لقاء اجتماعي يقام عادة بعد صلاة التراويح، يجتمع فيه الأهل والأقارب والجيران، وتقدم خلاله الأطعمة والحلويات والمشروبات الشعبية.
وتشير مصادر توثيق التراث الكويتي إلى أن الغبقة كانت في بداياتها مائدة بسيطة داخل البيوت، قبل أن تتوسع مظاهرها لاحقًا لتقام في الدواوين والصالات وغيرها، مع بقاء هدفها الأساسي المتمثل في التواصل وصلة الرحم وتعزيز الألفة بين أفراد المجتمع .
«النقصة».. الجيرة التي تتحول إلى مائدة محبة
ومن أجمل صور التكافل الاجتماعي التي ارتبطت برمضان في المجتمع الكويتي عادة «النقصة»، والمقصود بها تبادل أطباق الطعام بين الجيران والأقارب قبل موعد الإفطار .
وكانت هذه العادة تعكس معنى الجيرة الحقيقية؛ فطبق الطعام لم يكن مجرد وجبة، وإنما رسالة محبة وتواصل ومشاركة في فرحة الشهر الفضيل. وقد عُرفت «النقصة» بوصفها إحدى العادات الرمضانية التي حافظ عليها الكويتيون عبر أجيال متعاقبة .
«القرقيعان».. فرحة الأطفال في منتصف رمضان
ولا تكتمل ذاكرة رمضان الكويتي دون القرقيعان، حيث كان الأطفال يتجمعون في مجموعات ويطوفون على منازل الحي، مرددين الأهازيج الشعبية، فيما تقدم لهم الأسر الحلوى والمكسرات.
وتذكر المصادر الرسمية الكويتية أن القرقيعان من المناسبات الشعبية المرتبطة بمنتصف شهر رمضان، وأن الأطفال كانوا يطوفون على البيوت في جماعات، بينما تقدم لهم ربات المنازل الحلوى والمكسرات .
«القريش».. وداع شعبان واستقبال رمضان
ومن العادات القديمة كذلك يوم القريش، الذي يسبق دخول شهر رمضان، حيث تجتمع العائلات على مائدة تضم ما يتوفر من الأطعمة، في أجواء عائلية تحمل معنى الوداع لشهر شعبان والاستعداد لاستقبال الشهر المبارك .
وتشير مواد توثيقية كويتية إلى أن هذه العادة تعود إلى القرن التاسع عشر، وكانت الأسر تحمل ما لديها من أطعمة إلى بيت كبير العائلة، في صورة تجسد اجتماع الأسرة وتكاتفها
الخبر.. ذاكرة خليجية مشتركة
ولم تكن العلاقة بين الكويت والمنطقة الشرقية علاقة تجارة فقط، بل كانت علاقة اجتماعية وثقافية متداخلة، أسهمت فيها حركة التنقل والتجارة والزيارات بين مدن الخليج، ومن بينها الخبر.
ولهذا تحمل الصور القديمة للأسواق والأحياء قيمة تتجاوز التوثيق البصري؛ فهي تستحضر مرحلة كان فيها السوق مركزًا للحياة اليومية، ومكانًا يلتقي فيه التجار والأسر والزوار، وتتقاطع فيه اللهجات والعادات والأطعمة والملابس والمناسبات.
ومن هنا تأتي أهمية الصورة التاريخية المتداولة التي تحمل عنوان «أجمل تقاليد الكويتيين في شهر رمضان»، باعتبارها نافذة على زمن كانت فيه تفاصيل الحياة اليومية أكثر بساطة، وكانت موائد رمضان والزيارات بين الجيران والأقارب والدواوين والأسواق جزءًا أصيلًا من المشهد الاجتماعي.
موروث يتجدد في الذاكرة
ورغم التطور الكبير الذي شهدته مدن المنطقة الشرقية والخليج، لا تزال كثير من العادات الكويتية الرمضانية حاضرة بأشكال مختلفة؛ فالغبقة، والقرقيعان، وتبادل الطعام، وزيارات الأهل والجيران، وإحياء ليالي رمضان، جميعها تحمل قيمة اجتماعية تتجاوز الزمن.
وتؤكد المصادر الكويتية الرسمية أن التقارب بين الأهل والجيران والأصدقاء يمثل جانبًا بارزًا من العادات والتقاليد الاجتماعية في الكويت، وأن المناسبات الدينية حافظت على مكانتها في المجتمع، مع استمرار مظاهر الزيارات والتهاني والتكافل.
**وهكذا تبقى ذاكرة الكويتيين في الخبر جزءًا من ذاكرة الخليج المشتركة؛ ذاكرةٌ تختصرها صورة قديمة، وسوقٌ عتيق، ومائدة رمضانية، و«غبقة» تجمع الأحبة، و«نقصة» تعبر من بيت إلى آخر، وأطفال يملؤون ليالي رمضان فرحًا بالقرقيعان .



