كتاب الرأي

حديقة أبيقور وقبّة الأمير، قراءة انطباعية في قصيدة (في قبّة الروح) للشاعر محمد سلطان الامير

             ✍️عبدالحميد عطيف – كاتب رأي :

مقدمة : 
أحسب أن عنوان القراءة قد فرض عليَّ هذا التمهيد .. فالأبيقورية: و هي مدرسة فلسفية يونانية قديمة، قامت على فكرة محورية مفادها أن الغاية الأسمى للحياة هي تحقيق السعادة والسكينة الروحية.
وحين أقام أبيقور مدرسته خارج صخب أثينا السياسي في فضاء هادئ عُرِف بـ «الحديقة»؛ جعل من الصداقة والوفاء والأُنس الإنساني أعظم أداة لتحقيق الأمان وترميم الروح بعيداً عن صراعات المجتمع ، وهو ما أجده يتقاطع بل يتجسد في فحوى (قبة الروح) مع الفارق طبعاً ، وبهذا التمهيد ندخل إلى عالم القصيدة وقبة الروح وحديقة الشاعر :
(في قبّة الروح)
-النص :
دعِ القلبَ في أسر التباريحِ يرسِفُ
عسى من نميرِ الوصلِ يدنو ويرشفُ!

فما تنحني ترتيلةُ الحبّ للدجى
وهالاتُها من فيض نجواكَ تُغرَفُ

ألا وابتكرْ من سدرة الوقت موعداً
لأثمارهِ في قبة الروحِ زُخْرُفُ

ولا تُوصِدِ الأبوابَ حتى عن الصدى
فسربُ الأماني في سماكَ يرفرفُ

ولا تُعلنِ النصرَ المبينَ على التي
تناءتْ وأشباحُ الغواياتِ تزحفُ!

وإنْ لاحَ في الظلماءِ طيفٌ مباغتٌ
وألفيتَ ذكراكَ القديمةَ تهتفُ

وآنستَ من كانت تجيئُكَ في السرى
تنيرُ الزوايا والحكايا تُؤَلَّفُ

أنِلْها الرضا واستبقِ للقلب عُروةً
وفاءً لمن ترفو الجراحَ وتُسعِفُ

تنطوي القصيدة على حس وجداني رفيع ولغة شاعرية هادئة ودافئة ، مفعمة بالشجن العميق والرجاء الآمل يتعالق فِيهِ الحنين العَابر مَعَ الأَلَمِ المقيم ، وقد جاء اختيار العنوان موفقاً ليمنح النص بُعدًا قدسيًا وتأمليًا؛ فالقبة رمز للاحتواء والتسامي، وفي ذلك استدعاء ضمني للقباب ذات الصلة بالتقديس والخلوات والتنسّك والعزلة التأمليّة ، وكأن الشاعر يجعل من الروح ملاذاً آمناً ،ومنسكاً محصناً و معزولاً خارج ضجيج العالم ،تلتقي فيه التباريح و الذكريات والأماني، بالهدوء والسكينة .. وينعم فيه الأحباب بالوفاء والأنس والطمأنينة ..تماما كما هو الحال في حديقة أبيقور ..
وقد أبدع الشاعر في تقديم تجربته العاطفيّة متوسّلاً باللغة الجزلة لبناء حالة من المناجاة الداخلية ، بتدفق إيقاعي سلس ونبرة خافتة تناسب النجوى، ينزع معجمها الشعري إلى انتقاء ألفاظ تراثية ووجدانية تدل على ثراء لغوي ،مما يسبغ على القصيدة الفخامة والرصانة ، و يمنح الأبيات تدفقاً موسيقيًا محببًا للأذن، ومألوف للذائقة ..
ويمتاز النص بحركة فعليه كثيفة وترابط قوي ، ويكاد يكون خالياً من النعوت والزخارف الوصفية .
و يمكن تقسيم النص أسلوبياً إلى
ثلاثة مستويات مسبوكة لغوياً على نحو متين ومترابط ، يتنقل الشاعر بينها بسلاسة ، مستهلاً قصيدته بالقبول لواقع الحال مشفوعاً بالأمل :

دعِ القلبَ في أسر التباريحِ يرسِفُ
عسى من نميرِ الوصلِ يدنو ويرشَفُ!

فما تنحني ترتيلةُ الحبّ للدجى
وهالاتُها من سرّ نجواكَ تغرَفُ.

الا وابتكرْ من سدرة الوقت موعداً لأثمارهِ في قبة الروحِ زُخْرُفُ

بدأ الكلام في هذا المستوى بفعل الأمر (دع) مما يوحي بالسيطرة منذ البداية على التجربة وعلى اللغة وسياقاتها ، يقابلها في نهاية الشطر الكلمة (يرسف) بمعناها البَدِيع؛ حيثُ شَبَّه الشاعرُ القلبَ بـ الأَسِيرِ المُقَيَّدِ الذي يَمْشِي مُثْقَلًا بِأَغْلَالِ الشَّوْقِ وَوَهَجِ التَّبَارِيحِ، يُكابِدُ أَلَمَ القَيْدِ والوَجْدِ بأسًى ورِضًا في آنٍ واحِد.
وفي ذلك مفارقة لطيفة ، ففي الوقت الذي يبدو فيه الشاعر محكماً سيطرته على اللغة والنص ، نجده في ذات الوقت أسيراً واقعاً تحت سيطرة من تباريحه ، ثم جاءت (عسى) بما تحمله من رجاء وتوقعات ، تتبعها (نمير)لتصف «الوَصْلَ» بالماء العذب الصافي ؛ فكما أن الماء يروي العطش ، فإن وصل الأحبّة يُطفئ تباريح الشوق ويداوي قيود الأسْرِ . لكنْ ثمة معنى خفي ودلالة مستترة تتخفى خلف المعنى الظاهر للفعل (يرسف) ، وهي دلالة الصبر وقوة التحمل والسعي بأناة الى نيل المقاصد على الرغم من المعاناة ، فاستخدام الفعل (يرسف) كان اختياراً دقيقاً يجعل قيد الأسر ، لا يحول دون سعي الأسير في أغلاله كرسفان (الجمل) في قيده نحو الماء ..
وهذا التشبيه المقرّب للصورة يلمس الجذر البيئي والوجداني للفظة؛وبهذا الفهم ، يتحول «الرَّسَفَان» من مجرد صورة للألم والأسْر، إلى رمزية ملحمية للصبر، والصلابة، والسعي المتأني نحو نمير الوصل ،يعزز هذا المعنى ما يحمله البيت الثاني من كبرياء حين يقول :
فما تنحني ترتيلةُ الحبّ للدجى وهالاتُها من فيضِ نجواكَ تغرفُ.

إن اختيار الشاعر لـ «ما» دون غيرها من أدوات النفي (مثل لا أو لم) يحمل دلالات بلاغية دقيقة، تتكامل مع المعنى الكلي للبيت ، إذ تختص «ما» النافية بنفي الحال (اللحظة الراهنة) ؛ فالشاعر لا ينفي احتمال الانحناء في المستقبل البعيد بـ (لا)، ولا ينفي حادثة ماضية بـ (لم)، بل ينفي وقوع الانحناء في لحظة المعاناة الحالية؛ أي رغم وطأة الأسر فإن ترتيلة الحب ثابتة لا تنحني في هذه اللحظة بالذات، وبالطبع فهو لم يكن في موقف تحد ومكابرة ليقول : لن تنحني أبداً ..وطالما الامر كذلك والأمل موجود ومعقود ، فلندع القلب في تباريحه يرسف .
ويجدد هذا التأكيد في البيت الثالث بفعل الأمر حين يقول :

الا وابتكرْ من سدرة الوقت موعداً لأثمارهِ في قبة الروحِ زُخْرُفُ .

و تتجلّى الشاعرية في التراكيب المجازيّة ( ترتيلة الحب، هالاتها ، تغرَف): لتعيد صياغة مفهوم العلاقة ،من عاطفة بشرية أرضية إلى شعيرة روحية مقدسّة تتصل بالنور (الهالات) ، وقد أحسن الشاعر حين حذف الفاعل و استعمل البناء للمجهول (تُغْرَفُ): مما أضفى على التجربة حسّاً صوفياً ، وسلط الضوء على نورانية (فيض النجوى ) الذي تُغرف منه الهالات .
بينما يأتي الفعل الإيجابي الخلاّق: «ألا وابتَكِرْ…» ليتجاوز به الشاعر مرحلة الصمود الصامت إلى الفاعلية والمبادرة.
أمر الذات بـ «الابتكار» هو ذروة السعي الدؤوب نحو الغاية؛ فالأسير لا ينتظر أن تُفتح له الأبواب ، بل يصنع بنفسه باباً لموعد عند شاخصه الآمن (سدرة الوقت).
وهنا تتحول «سدرة الوقت» من مجرد رمزيّة مجرّدة إلى مكانٍ جغرافي وشاخصٍ حسي للّقاء، يفتح النص على بعُدٍ جديدٍ في غاية العذوبة ، حيث تتحاوز دلالة السدرة في الذاكرة و في الثقافة والبيئة، حقيقتها كشجرة عاديةٍ إلى علامة مكانية ثابتة وسط تحولات الفضاء والزمن؛ تضرب بجذورها في ذاكرة الروح ، وحين يتواعد العاشقان عند السدرة، تصبح الشجرة هي الميقات، ويصبح الوقتُ مشدودًا إليها، فلم تعد السدرة مجرد جِذعٍ وأغصان، بل أصبحت «مستقرًا لللحظات الجميلة».
إن الشاعر يطلب من نفسه أو من مخاطَبه أن “يبتكر موعدًا” عند ذلك الشاخص القديم تحديدًا، المزروع في الذاكرة ، لأن اللقاء هناك يمثّل استعادةً لدفء الظل القديم، وشربٍ من نبع الذكرى التي لا تجف،وهذا الفهم يمنح الشطر الثاني: «لأثمارهِ في قبة الروحِ زُخْرُفُ» عمقًا حسيًا وروحانيًا مدهشًا؛ فالثمار التي تُقطف من ذلك اللقاء (ثمار الأُنس، والوفاء، ) لا تُستهلك عرضاً، بل تتحول إلى نقوشٍ وزخارف تزيّن الجدران الداخلية لـ «قبة الروح».
ولعلّ مما يُحمد لشاعرية النص هذه الدقة الشفيفة في صرف الضمير؛ إذ لم يقل (لأثمارها) عائدًا على السدرة بصفتها شجرة، بل قال (لِأَثْمَارِهِ) ليعود الضمير إلى “الموعد” ذاته. وهذا التكامل المعنوي للمشهد يعكس صورة إنسانٍ لم تكسره الأيام ولا أعجزته القيود، بل أتقن كيف يسير في أغلاله بثبات، ويصنع سكينته الخاصة من قلب المعاناة.
يتنقل الشاعر في المستوى الثاني من النص إلى التوجيه والنهي الأسلوبي، حاملاً القارئ إلى أفقٍ أخلاقي وروحاني تحفّه الأماني ،يتجاوز الصمود الشخصي إلى نبل التعامل مع الآخرين والذاكرة:
وَلَا تُوصِدِ الأَبْوَابَ حَتَّى عَنِ الصَّدَى … فَسِرْبُ الأَمَانِي فِي سَمَاكَ يُرفْرِفُ

وَلَا تُعْلِنِ النَّصْرَ المَبِينَ عَلَى الَّتِي … تَنَاءَتْ وَأَشْبَاحُ الغِوَايَاتِ تَزْحَفُ!

يستهل الشاعر هذا التوجيه بالنهي عن إغلاق منافذ الرجاء: (وَلَا تُوصِدِ الأَبْوَابَ حَتَّى عَنِ الصَّدَى). استخدام «حَتَّى» بمدلولها الشمولي يقدّم أقصى درجات الانفتاح الروحي والرضا؛ فالذات الشاعرة لا تشترط عودة الصوت المباشر أو الوصل الكلي كي تبقى متفائلة، بل يرضيها حتى “الصدى” الخافت المتبقي من الذكريات، إبقاءً على الخيط الروحي موصولاً، ومنعاً للروح من السقوط في عتمة الانغلاق والاكتئاب، فلا زالت (عسى) وحمولاتها المعنويّة سارية المفعول ..
ثم تتجلى ذروة التسامي الوجداني في البيت الذي يليه: (وَلَا تُعْلِنِ النَّصْرَ المَبِينَ…). استعارة هذا المفهوم القرآني (النَّصْرَ المَبِينَ) ونفيه في سياق الخصومات العاطفية يعكس نضجًا نفسيًا رفيعًا وفهمًا عميقًا لطبيعة النفس البشرية؛ فليس من أخلاق الشاعر الادعاء بالفوز على الحبيب الراحل أو التشفي به، بل إن الشاعر يُمارس اعتذارًا ضمنيًا والتماسا للأعذار حين يُقرن غيابها بـ (أَشْبَاحُ الغَوَايَاتِ تَزْحَفُ)؛ فهو لا ينظر إليها بعين الإدانة أو الخصومة، بل بعين العطف والمواساة لمسافرةٍ تحيط بها ظلمات الغواية وتثقلها المسافات .
في المستوى الثالث والأخير من النص، يبني الشاعر جملة شرطية ممتدة ومحكمة تتألف من ثلاثة أبيات متتابعة، متدرجًا بها من مفاجأة الذكرى إلى ذروة الشفاء والسكينة:
وَإِنْ لَاحَ فِي الظَّلْمَاءِ طَيْفٌ مُبَاغِتٌ
وَأَلْفَيْتَ ذِكْرَاكَ القَدِيمَةَ تَهْتِفُ

وَآنَسْتَ مَنْ كَانَتْ تَجِيئُكَ فِي السُّرَى
تُنِيرُ الزَّوَايَا وَالحَكَايَا تُؤَلَّفُ

أَنِلْهَا الرِّضَا وَاسْتَبْقِ لِلْقَلْبِ عُروةً
وَفَاءً لِمَنْ تَرْفُو الجِرَاحَ وَتُسْعِفُ!

تنساب جملة الشرط بأسلوب تتابعي مدهش: (وَإِنْ لَاحَ… وَأَلْفَيْتَ… وَآنَسْتَ)؛ حيث تراكم الأفعال الماضية حالة السكون والهدوء التام المشحون بالشجن، فلا يجيء الطيف هنا كمصدر إزعاج أو لوعة، بل كـ «طَيْفٍ مُبَاغِتٍ» يُضيء عتمة الليل.
تصل الشاعرية أوجها في الشطر: (تُنِيرُ الزَّوَايَا وَالحَكَايَا تُؤَلَّفُ). إن استخدام التضعيف في فعل «تُؤَلَّفُ» لا يعني اختراع الزيف ، بل يُشير إلى أسلوب التأليف والتأنيس النفسي؛ أي إعادة صياغة الحكايات القديمة وترتيب أوراق الذاكرة وتجاذب أحاديث السمر و النجوى ، وبث الدفء والنور الذي يضيء الزوايا المعتمة في الروح.
ثم يجيء جواب الشرط المحسوم بقرار وجداني نبيل: (أَنِلْهَا الرِّضَا)،
إنه فعل أمر يوجّه الذات نحو السخاء المطلق، ومجازاة الوفاء بالوفاء، واستبقاء عروة الود قائمة لا تنقطع.
يختتم الشاعر النص ببيته الأخير معتمدًا على الدلالة البديعة في الفعل «تَرْفُو»: (وَفَاءً لِمَنْ تَرْفُو الجِرَاحَ وَتُسْعِفُ).
الرَّفْوُ في اللغة هو ضمُّ حواشي الثوب المتهرئ وإصلاح الخرق فيه بخيطٍ ناعم خفي ، وهذا الاختيار المعجمي يُفصح عن فلسفة الشاعر تجاه الحياة والذاكرة؛ فالجراح القديمة وتباريح الوجد وآلام العمر لا تُستأصل بالنسيان ولا تُعالج بالمواجهة ، بل يُعاد رتقها ورفؤها بالرفق، والصبر، والمداراة الحانية ، وهنا يتضح المغزى كليًا: الاستمساك بأصل الود هو العروة الوثقى، والوفاء لمن يرفو الجراح هو الخيار الوحيد الذي يعيد للروح سعادتها وسكينتها الأولى .
تجدر الإشارة إلى أن هذه القراءة لا تتغيا التشريح المنهجي الصارم بقدر ما تنتمي إلى القراءة الانطباعية التأملية؛ تلك التي تُعنى بإبراز أثر النص في وجدان قارئه، ورصد الذبذبات الروحية التي يحثها المعنى في الفكر والذاكرة.
إنها محاولةٌ حانية لاستجابة الروح للروح، وقراءةٌ قد تعيد تأليف النص ورسم أبعاده من جديد، متأثرةً بروح القارئ ووعيه، ليكون المقال في النهاية حوارًا هادئًا بين تجربة الشاعر وانطباع القارئ…
والله الموفق .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى