كتاب الرأي

نوف هزازي.. نموذج للمرشد السياحي المستقبلي

        ✍️ محمد آل مشافع – كاتب رأي :

خلال تقديمي لإحدى الدورات في برنامج التأهيل السياحي، لفت انتباهي إحدى المتدربات القادمات من الرياض لحضور الدورة؛ كانت ( نوف هزازي ).

لم تكن نوف من أولئك الذين يسعون إلى لفت الأنظار بكثرة الحديث، بل كانت هادئة، قليلة الكلام، منصتة باهتمام، وكأنها تترك للآخرين مساحة الحديث، لكنها ما إن تُسأل حتى تأتي إجاباتها شافية وكافية، عميقة في مضمونها، واضحة في دلالاتها.

كان يشع منها شيء يصعب وصفه بالكلمات؛ نبوغ هادئ وطموح لا يبدو له سقف.

وربما لم تلفت هدوءها وقلة حديثها انتباه بعض زملائها في الدورة، لكن من يقترب منها ويستمع إليها يدرك سريعًا أن خلف هذا الهدوء عقلًا مشغولًا بالتعلم، وشخصيةً لا تتوقف عن البحث، وطموحًا يتجاوز حدود اللحظة.

نوف تتحدث ست لغات إلى جانب العربية، ولا تنظر إلى ذلك باعتباره إنجازًا مكتملًا، بل محطة في طريق أطول؛ فهي مصممة على الوصول إلى عشر لغات. وهذه الرغبة وحدها تكشف الكثير عن شخصيتها؛ فالإنسان الطموح لا يرى ما أنجزه نهاية، بل يرى فيه بداية لإنجاز جديد.

ولنوف اهتمامات متعددة وميول في مجالات وفنون مختلفة، وهي قارئة، شغوفة بالمعرفة، تتابع كل جديد، وتهتم بالحضارات والثقافات العالمية، وكأنها تدرك أن المرشد السياحي الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد حافظ للمعلومات، وإنما يجب أن يكون مثقفًا، واسع الأفق، قادرًا على فهم الآخر والتواصل معه وصناعة تجربة تليق بالضيف.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربة نوف.

فالمرشد السياحي في مفهوم السياحة الحديثة ليس مجرد وظيفة أو شخص يرافق مجموعة من الزوار، بل هو واجهة وطن، وصوت مكان، وراوٍ للتاريخ، وجسر يصل بين الثقافات، وصانع للانطباع الأول والأخير عن الوجهة.

ومن هنا أرى أن امتلاك المرشد لأكثر من لغة، وإلمامه بالحضارات والثقافات، وشغفه بالقراءة والمعرفة، وقدرته على التواصل، ليست مهارات إضافية فحسب، بل أدوات أساسية لصناعة المرشد السياحي المستقبلي.

ونوف تمتلك الكثير من هذه الأدوات.

الأجمل في هذه الشابة أنها استطاعت أن توفق بين عملها وشغفها المتعدد، وأن تجعل من وقتها مساحة للإنجاز لا للانتظار. تهتم بالوقت، وتحاسب نفسها عليه، وتراجع ما أنجزته في يومها، وكأنها تدرك مبكرًا أن الطموح وحده لا يكفي، وأن الأحلام لا تتحول إلى واقع إلا حين تتحول إلى عمل وانضباط واستمرارية.

نعم، إنها المرشدة السياحية نوف هزازي؛ نموذج مختلف للمرشد السياحي الذي نطمح إليه، ونموذج يبعث على الفخر بما يمكن أن يصنعه شباب الوطن حين تجتمع لديهم الموهبة مع الطموح، والمعرفة مع الشغف، والعمل مع الإصرار.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن نوف أنها لا تمثل نفسها فقط، بل تمثل صورة مستقبلية نحتاج أن نراها كثيرًا في قطاعنا السياحي؛ مرشدون ومرشدات يمتلكون اللغات، والثقافة، والمعرفة، والحضور، والشغف، والقدرة على تمثيل وطنهم بأفضل صورة.

إننا بحاجة إلى نسخ متعددة من نوف هزازي؛ ليس تقليلًا من فرادة تجربتها، وإنما رغبة في أن يصبح هذا النموذج ثقافة ومنهجًا في صناعة المرشد السياحي السعودي.

نحتاج مرشدًا يعرف تاريخ وطنه، ويقرأ حضارات العالم، ويتحدث لغات متعددة، ويفهم ثقافات ضيوفه، ويملك القدرة على الحوار، ويصنع للزائر تجربة تتجاوز المعلومة إلى الإحساس والانطباع والذكرى.

وفي الوقت الذي تتجه فيه المملكة بخطى متسارعة نحو صناعة سياحية عالمية، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المنشآت والوجهات وحدها، بل في الإنسان الذي يقدم هذه الوجهات للعالم.

وهنا يأتي دور المرشد السياحي؛ سفيرًا للوطن، وواجهةً لثقافته، ورسولًا لحضارته، وشريكًا حقيقيًا في صناعة الصورة التي يحملها الزائر عن المملكة.

ومن خلال ما رأيته ولمسته في نوف، أقول لها: واصلي.

لا تتوقفي عند ست لغات، فربما كانت العاشرة مجرد محطة أخرى في طريق أطول. ولا تجعلي أي إنجاز نهاية لطموحك، بل اجعلي كل إنجاز بداية لما بعده. لديكِ من القدرات ما يستحق أن يُستثمر، ومن الطموح ما يستحق أن يُمنح المساحة والوقت.

وأثق أن استمرارك بهذا الشغف، وهذا الانضباط، وهذه الرغبة في التعلم والتطور، سيقودك بإذن الله إلى مستويات عالية، وربما يأتي اليوم الذي يصبح فيه اسم نوف هزازي حاضرًا وبارزًا على مستوى المملكة، وربما يتجاوز ذلك إلى العالم العربي.

دعواتي لكِ بالتوفيق ومزيد من الإبداع والتميز، ودعواتي لجميع المرشدين السياحيين والمرشدات، سفراء الوطن، بأن يواصلوا العطاء، وأن يقدموا صورة تليق بهذا الوطن العظيم.

فالمملكة لا تحتاج فقط إلى وجهات سياحية عظيمة، بل تحتاج أيضًا إلى سفراء عظماء يعرفون كيف يقدمونها للعالم.

ونوف هزازي، في نظري، واحدة من تلك النماذج التي تستحق أن نراهن عليها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى