[النسخة التي لم تولد بعد] “استثمار الإمكانات: لماذا تتجاهل ما تستطيع أن تصبحه؟ “

✍️ أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
ليست أعظم مآسي الإنسان أن يفشل في الوصول إلى ما أراد بل أن يمضي عمره دون أن يعرف أصلًا ما كان قادرًا على الوصول إليه فداخل كل إنسان حياة مؤجلة وشخصية أخرى تنتظر أن يمنحها فرصة الظهور وإمكانات كامنة قد تغير مجرى حياته لو خرجت من حيز الاحتمال إلى واقع التجربة لكن كثيرين يرحلون وهم يحملون معهم مواهب لم تكتشف وأحلامًا لم تختبر وقدرات لم تستثمر وكأنهم عاشوا بنصف طاقتهم فقط ولعل السؤال الأكثر إيلامًا ليس لماذا لم ننجح بل لماذا لم نحاول أن نصبح كل ما كنا قادرين على أن نكونه
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الإنسان لا يخسر في حياته ما يفقده من مال أو منصب أو فرصة بقدر ما يخسر ما يهجره من نفسه فهناك خسائر يراها الجميع وأخرى لا يدركها إلا صاحبها قد يعوض الإنسان ما فاته من متاع الدنيا لكن كيف يعوض عمرًا مضى دون أن يكتشف قدراته أو فرصة لم يمنحها لنفسه أو نسخة كان قادرًا على أن يكونها ثم تركها حبيسة الاحتمال إنها خسارة لا تقاس بما ضاع بل بما كان يمكن أن يوجد ولم يوجد
تلك هي المأساة الصامتة التي يعيشها كثير من الناس إذ يولد الإنسان وهو يحمل طاقات وقدرات لا يعرف مداها لكنه يغادر الحياة قبل أن يكتشف معظمها وليس السبب أن الإمكانات لم تكن معدومة بل لأنها لم تختبر ولم تصقل ولم تمنح فرصة الظهور فالإنسان لا يولد مكتمل المعرفة بنفسه وإنما يكتشفها بالتجربة وما يظنه حدودًا لقدراته ليس في كثير من الأحيان إلا حدودًا لما جربه حتى الآن فكثير من الناس يرسمون لأنفسهم أسوارًا من الوهم ثم يقضون أعمارهم مقتنعين بأنها حقيقة وكم من شخص ظن أنه لا يصلح للقيادة حتى وجد نفسه في موضع المسؤولية فأبدع وكم من موهبة بقيت نائمة سنوات طويلة حتى أيقظتها فرصة عابرة وكم من إنجاز عظيم بدأ بمحاولة متواضعة لم يكن صاحبها يتوقع أنها تغير مسار حياته
لكن إذا كانت الإمكانات كامنة في داخل الإنسان فلماذا لا يكتشفها لأن أول ما يعترض طريقه هو الخوف والخوف لا يمنع الإنسان من النجاح فحسب بل يمنعه من المحاولة أصلًا فهو يخشى الفشل ويخشى النقد ويخشى التغيير بل وقد يخشى النجاح نفسه وما يفرضه من مسؤوليات وتوقعات فيختار البقاء داخل دائرة المألوف حتى وإن كانت أضيق من أحلامه ومع مرور الوقت تتحول منطقة الراحة إلى سجن أنيق يعتاد جدرانه ويظن أنها حدود العالم فتذبل الأحلام بصمت مع كل فرصة مؤجلة وكل محاولة لم تبدأ
ولا يقل الروتين أثرًا عن الخوف فالاعتياد يملك قدرة هائلة على إقناع الإنسان بأن ما يعيشه هو أقصى ما يستطيع الوصول إليه ومع تكرار الأيام يتحول الاستثناء إلى حلم بعيد ويصبح الحد الأدنى سقفًا للطموح حتى ينسى الإنسان أن داخله طاقات لم تستثمر بعد ويزداد الأمر تعقيدًا حين ينشأ في بيئة لا ترى فيه إلا ما هو عليه لا ما يستطيع أن يكونه فكلمة محبطة قد تؤجل موهبة سنوات ونظرة استهزاء قد تقتل حلمًا في بدايته بينما كلمة ثقة واحدة قد تغير مستقبل إنسان بأكمله ولهذا فإن كثيرًا من الإمكانات لا تموت لأنها ضعيفة وإنما لأنها لم تجد من يؤمن بها قبل أن يؤمن بها صاحبها
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا الاعتقاد بأن الموهبة وحدها تكفي والحقيقة أن الإمكانات لا تزدهر بمجرد امتلاكها بل تحتاج إلى التعلم والممارسة والانضباط والصبر فالموهبة التي لا تصقل تذبل والعقل الذي لا يتعلم يركد والقدرة التي لا تمارس تضمحل حتى يظن صاحبها أنها لم تكن موجودة أصلًا ولهذا فإن أصحاب الإنجازات الكبرى لم يصلوا لأنهم كانوا الأكثر موهبة بل لأنهم كانوا الأكثر التزامًا بتطوير ما يملكون والأكثر صبرًا على رحلة البناء الطويلة
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الإنسان لا يعرف غالبًا حجم قدرته إلا بعد أن يتجاوز ما ظنه مستحيلًا فالحدود التي يرسمها العقل ليست دائمًا حدود الحقيقة وإنما حدود التجربة وكل تجربة جديدة تكشف جانبًا جديدًا من الذات وتوسع أفق الإنسان وتمنحه صورة أوضح عما يستطيع أن يكونه أما من ينسحب قبل أن يبدأ فإنه يحكم على نفسه بالعجز دون أن يختبر قدرته ويغلق أبوابًا لم يطرقها أصلًا ولهذا فإن كثيرًا من الناس لا يهزمهم الفشل وإنما يهزمهم التوقف المبكر فيعيشون أعمارهم داخل نسخة مصغرة من أنفسهم بينما النسخة الأكبر تبقى حبيسة الخوف والتردد والتسويف
وفي نهاية المطاف لا يقاس الإنسان بما امتلكه من إمكانات بل بما أحسن استثماره منها فالمواهب التي لا تستثمر تذبل والأحلام التي لا تلاحق تبقى مجرد احتمالات والقدرات التي لا تختبر تمضي مع صاحبها دون أن يعرف أحد قيمتها حتى هو نفسه لذلك فإن أعظم مسؤولية يحملها الإنسان تجاه ذاته ليست أن يتفوق على الآخرين بل أن يمنح نفسه فرصة أن تكون على حقيقتها وحين يطوي المرء صفحات عمره لن يكون أكثر ما يؤلمه ما أخفق في تحقيقه بل ما لم يجرؤ على تجربته أصلًا فربما كانت أكبر خسائر الإنسان أن يغادر الحياة بينما أجمل نسخة منه ما زالت تنتظر أن تولد .
للتواصل: [email protected]



