مدرسة يوسف

✍️ رشيد بن محمد آل جلي – كاتب رأي :
أنزل الله تعالى آية تُتلى إلى يوم القيامة، تصور حال يوسف عليه السلام حين سمع من إخوته طعنًا في أمانته وجرحاً في عدالته ، بعد أن استخرج صُواع الملك من وعاء أخيه ، في موقفٍ تجلّت فيه معاني الأخوّة، ونبل الأخلاق، ورفعة المقام،
{قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قبل …}.
ما إن سمع يوسف تلك العبارة الجارحة حتى مرّت في خاطره صور الغدر والخيانة، واستعاد شريط حياته كاملًا: من إلقائه في الجُبّ، إلى التقاطه وبيعه بثمن بخس، ثم ما ذاقه من مرارة الرق في قصر عزيز مصر، وقصة المراودة، وظلمات السجن التي عاشها بضع سنين، وصولًا إلى اللحظة التي أصبح فيها على خزائن الأرض.
مرّت تلك المآسي كلها سريعًا في خيال يوسف، وهو يسمع من إخوته كلامًا يفطر القلب ويكسر الخاطر .
ومع أن يوسف كان يومها في موضع القدرة والسلطان، بينما كان إخوته في موضع التهمة والاغتراب، فإن عاطفة الأخوّة، ونقاء السريرة، وعظمة النفس، حالت دون أن ينحدر إلى الانتقام والتشفّي ولم ينتهز الفرصة للنيل منهم ، بل ارتقى فوق الخلافات ، وكظم غيظه، ولم يُظهر لهم ما يسيئهم:
{..فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ…}
وهنا تتجلّى أخلاق العظمة ، أن تملك القدرة على الرد، ثم تختار الصفح؛ وأن تستطيع الانتصار لنفسك، ثم تسمو عنها. فالعفو ليس ضعفًا، وكظم الغيظ ليس عجزًا، بل هو قوة النفس حين تنتصر على نزعة الانتقام.
كيف لو رأى يوسف عليه السلام، أو قرأ قصص الهجر والقطيعة التي يعيشها بعض الإخوة مع إخوتهم وأخواتهم لأسباب دنيوية رخيصة وربما بسبب كلمات عابرة أو حالة شك لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة ؟
كيف لو رأى من يدفن أخاه أو أخته، ولم يره منذ سنين بسبب قطيعة امتدت حتى غلبت صلة الرحم ؟
كيف لو رأى قلوبًا أغلقت أبوابها أمام أقرب الناس إليها، وانتصرت فيها الخصومات والمطامع على معاني الأخوّة والرحمة ؟
تبًّا لحياة تُبنى على مطامع دنيئة، ونفوس أعماها جشع الدنيا الزائلة، حتى نسيت أن العمر قصير، وأن الفراق قد يأتي بغتة، وأن الندم بعد الموت لا يعيد لقاءً، ولا يصلح قطيعة، ولا يردّ كلمةً قاسية ولا يجبر قلبًا مكسورًا.
للتواصل : [email protected]



