كتاب الرأي

حين يصبح المخلص زائداً عن الحاجة

          ✍️ناهد شما – كاتبة أردنية :

لم يكن يذهب إلى عمله كموظف يؤدي ساعاتٍ محددة ثم يعود إلى بيته، بل كان يذهب إليه كما يذهب الإنسان إلى جزءٍ من روحه.
كان يفتح الأبواب قبل الجميع، ويغلقها بعد الجميع، يحمل همَّ المكان وكأنه إرث أبيه، ويغضب لأي تقصير فيه أكثر من غضب أصحابه أنفسهم أحيانًا. لم يكن ينتظر شكراً، ولا يبحث عن منصب، كان فقط يملك ضميرًا حيًّا لا يعرف كيف يعمل بنصف قلب.
ومع مرور السنوات صار الاسم الأول الذي يُنادى عند كل أزمة، وكل مهمة صعبة، وكل مسؤولية يتراجع عنها الآخرون.
أصبح يتحمل ما هو منهجي وما هو غير منهجي، ما يدخل ضمن عمله وما لا علاقة له به، فقط لأنه كان يقول دائمًا:
“لا بأس… المهم أن يسير العمل.”
وكان العمل يسير فعلًا على كتفيه المتعبتين.
كبر في المكان حتى ظنّ أن الجدران تحفظ صوته، وأن المقاعد تعرف خطواته، وأن الوجوه التي عاشرها سنوات أصبحت عائلته الثانية.
وكانوا فعلًا كذلك… عشرة عمر، ومواقف، وضحكات، وأيام طويلة لا تُنسى.
لكن الحياة لا تسير دائمًا كما يشتهي المخلصون.
فجأة، ودون مقدمات واضحة، بدأت الطاولة تنقلب بهدوء قاسٍ.
المهام التي كانت لا تُنجز إلا به، سُحبت منه واحدة تلو الأخرى.
القرارات التي كان يُستشار فيها، أصبحت تمر من دونه.
والمكان الذي كان يقف في وسطه كعمود أساسي، صار يقف فيه على الهامش كصورة قديمة معلّقة على جدار النسيان.
ثم جاء اليوم الذي جلس فيه أمام شخص يصغر أبناءه عمرًا، يُعطى ما كان يحمله هو لسنوات، وكأن التاريخ الطويل يمكن اختصاره بلحظة تبديل عابرة.
لم يغضب لأنه كبر.
فالسنّ سنة الحياة.
ولم يحقد على أحد، لأن قلبه لم يتربَّ على الحقد أصلًا.
لكنه تألم… تألم لأن الإخلاص حين يُكافأ بالتهميش يترك في الروح كسورًا لا يراها أحد.
كان يستطيع أن يبقى.
أن يصمت.
أن يتحول إلى تابع يصفق لكل شيء، ويجلس في الزاوية منتظرًا آخر الشهر.
لكنه لم يكن من ذلك النوع من البشر.
كرامته كانت أكبر من أن يعيش كظلٍّ بعد أن كان روحًا للمكان.
فترك الجمل بما حمل، وخرج.
خرج بجسدٍ متماسك، لكن بقلبٍ مليء بالخذلان.
وفي البيوت، حين يهدأ الضجيج، تبدأ المعارك الحقيقية.
هناك فقط ظهرت آثار القهر.
مرضٌ بعد مرض، تعبٌ بعد تعب، وكأن الجسد كان يؤجل انهياره طوال سنوات العمل، حتى إذا توقفت المعركة الخارجية… سقطت الجدران دفعة واحدة.
الغدة الدرقية، الإرهاق، الأوجاع المتراكمة، ثم السرطان الذي دخل حياته كضيف ثقيل لا يطرق الباب.
ومع ذلك… لم يتحول إلى عدو.
لم يشتم المكان الذي أحبه.
ولم ينسَ العِشرة.
بل ظلّ حين يلتقي بأصحاب العمل، يبتسم بمحبةٍ قديمة، وتظل صاحبة المكان تقول أمام الناس:
“هؤلاء عشرة عمر.”
وكانت الكلمة تهز قلبه كله.
لأن بعض العلاقات لا يقتلها الغياب، ولا حتى الألم.
هناك أناس نحبهم رغم الجرح، ونحفظ لهم الودّ رغم الخذلان، لأن الأيام التي كانت صادقة لا يمكن إنكارها بمجرد نهاية موجعة.
لقد كان يتمنى فقط لو بقي في مكانه الذي أحبه، لا أكثر.
كان يريد أن يشعر أن السنوات التي أفنى فيها عمره لم تكن محطة مؤقتة يمكن تجاوزها بسهولة.
لكن قدر الله وما شاء فعل.
وهكذا تعلّم متأخرًا أن الإنسان حين يعطي عمله كل قلبه، عليه أيضًا أن يترك جزءًا منه لنفسه… لأن الأماكن تتغير، والوجوه تتغير، والمناصب تتبدل، أما الجسد حين يتعب، والروح حين تُقهر، فلا شيء يعيدها كما كانت.
حتى عندما تم تكريم الموظفين في صالة كبيرة كان هذا الشخص قد تم دعوته للحفل ومن سبقوه للاستقالة وعندما بدأت التكريمات تم تكريم الذين استقالوا الا هذا الشخص كان من المنسيين
ومع ذلك، يبقى أصحاب الضمائر الحية مختلفين دائمًا.
حتى حين ينكسرون… لا يتحولون إلى نسخة قاسية من الحياة.
يبقون أوفياء، نبلاء، يحملون الألم بصمت، ويمضون وهم يقولون:
الحمد لله على كل شي

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى