من يركب البحر لا يخشى من الغرق

✍️طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :
ليس كل من اقترب من البحر كان يبحث عن نزهة، بعضهم جاء يحمل قلبًا أثقل من الموج، وروحًا أنهكها الوقوف طويلًا على أرصفة الانتظار. جاء لأنه لم يعد يجد في اليابسة ما يكفي من الحياة، ولا في الناس ما يكفي من الأمان،ولا في الطرقات ما يشبه الطمأنينة.
البحر وحده كان يشبهه، واسعًا، غامضًا، صاخبًا من الخارج،وعميقًا حدّ الألم من الداخل. ومن يركب البحر، لا يفعل ذلك لأنه لا يعرف الخوف، بل لأنه تعب من حياةٍ تُخيفه كل يوم. تعب من الخيبات الصغيرة التي تتسلل إلى القلب كالإبر، من الوجوه التي تبتسم وفي نواياها ألف طعنة، من الأحلام التي تُولد جميلة ثم تموت باكرًا، من التعب الذي لا يراه أحد، ومن الصمت الذي يملأ صدره حتى يكاد يختنق به.
من يركب البحر، يعرف أن الأمواج لا ترحم، وأن الريح قد تغيّر وجهتها فجأة، وأن السفن مهما كانت قوية قد تتعب، لكنه مع ذلك يمضي. لأن الذين جرّبتهم الحياة كثيرًا، لم يعودوا يخشون الغرق بقدر ما يخشون البقاء عالقين في منتصف اللاشيء.
هناك بشرٌ علّمتهم الحياة أن يمشوا فوق وجعهم، أن يبتلعوا دموعهم أمام الناس،
أن يربتوا على قلوب الآخرين بينما قلوبهم تنزف بصمت، أن يبتسموا كي لا يشرحوا حجم الخراب بداخلهم. هؤلاء حين يركبون البحر، لا يسألون النجاة أولًا، بل يسألون المعنى.
يسألون:
هل يوجد في آخر هذا التعب شاطئ يشبهنا؟
هل هناك مكان لا نُجبر فيه على التظاهر بالقوة؟
هل توجد حياة لا نحتاج فيها أن نخفي هشاشتنا كل يوم؟
البحر يشبه الحقيقة، لا يجامل أحدًا. إما أن تكون مستعدًا لمواجهته، أو يعريك أمام نفسك.
وكم من شخصٍ ظنه الناس قويًا، بينما كان بالكاد يقاوم الغرق داخله. وكم من إنسانٍ صفقوا لصلابته، ولم ينتبهوا أنه كان ينهار كل ليلة بصمت.
من يركب البحر، يتعلم أن النجاة ليست دائمًا في الوصول، أحيانًا تكون النجاة في الاستمرار فقط. في أن تقاوم رغم التعب، أن تجدف رغم الريح، أن تؤمن أن خلف هذا السواد فجرًا ما ينتظر.
البحر لا يمنح دروسه للجبناء، بل لأولئك الذين خسروا الكثير، ثم وقفوا مجددًا وقالوا للحياة:(ما زال في القلب متسع لمحاولة أخرى.)
ولهذا ..
أكثر الناس شجاعة ليسوا الذين لم يسقطوا، بل الذين ابتلت أرواحهم بالمآسي، ثم عادوا للحياة بقلوبٍ مرهقة، لكنها ما زالت تؤمن بالضوء.
من يركب البحر، لا يخشى من الغرق، لأنه عرف أن الإنسان قد يغرق أحيانًا وهو واقف على اليابسة، في كلمة، في خذلان، في فقد، في وحدةٍ طويلة، في انتظارٍ لا ينتهي، في قلبٍ يعطي أكثر مما يحتمل.
أما البحر ..
فكان دائمًا أكثر رحمة من بعض البشر. البحر حين يغضب، يعلن غضبه، وحين يهدأ، يمنحك اتساعه كاملًا، أما البشر، فقد يبتسمون لك بينما يخفون العاصفة في صدورهم. لهذا أحب البحر، لأنه واضح، صادق، لا يتلوّن، ولا يخفي نواياه خلف الكلمات.
وحدهم الذين عبروا العواصف يعرفون أن النجاة لا تصنعها السفن وحدها، بل يصنعها قلبٌ، يرفض الاستسلام مهما أثقلته الأمواج. ولأن الحياة بحرٌ آخر، فنحن جميعًا نغرق بطريقةٍ ما. لكن الفرق الوحيد، أن بعضنا حين تغمره الأمواج، يتشبث بالأمل، ويرفع رأسه للسماء، ويواصل التجديف رغم كل شيء.
هؤلاء هم الناجون الحقيقيون، ليس لأن البحر لم يؤذهم، بل لأنهم عرفوا كيف يحوّلون الخوف إلى قوة، والخذلان إلى نضج، والألم إلى حكاية، والسقوط إلى بداية جديدة.
ختامًا…
من يركب البحر لا يخشى من الغرق، لأنه منذ زمنٍ بعيد، اتخذ قراره الأصعب:
أن يعيش، مهما كانت العاصفـة.
للتواصل : [email protected]



