كتاب الرأي

(اليوم العالمي للعمل الخيري: رؤية العطاء السعودي وأثره العابر للقارات)

  ✍️ أروى بنت مسلط العتيبي- كاتبة رأي :

يحتفي العالم في الخامس من سبتمبر من كل عام باليوم العالمي للعمل الخيري ليكون محطة نستحضر فيها قيمة العطاء ودوره في بناء مجتمعات أكثر تكاتفًا واستقرارًا وحيوية فالمجتمعات لا تبنى بالأنظمة والموارد وحدها بل تبنى أيضًا بالإنسان الذي يشعر بأخيه وباليد التي تمتد حين تحتاج يد أخرى وبالقلب الذي يرى في مساعدة الآخرين مسؤولية وقيمة ورسالة
فالعمل الخيري ليس مجرد استجابة مؤقتة لحاجة طارئة ولا تبرعًا ينتهي أثره بانتهاء المناسبة بل هو ركيزة من ركائز التماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة لأنه يعزز روح التضامن ويقوي روابط المجتمع ويخلق جسورًا من الرحمة والتكافل ويمنح الإنسان شعورًا بأنه ليس وحده في مواجهة ظروف الحياة وأن في مجتمعه من يسانده حين تضيق به السبل

وتتجلى أهمية العمل الخيري في قدرته على الإسهام في تحقيق العدالة الاجتماعية وتضييق الفجوات الاقتصادية ودعم الفئات الأكثر احتياجًا وتوفير شبكات الأمان التي تحفظ للإنسان كرامته وتعينه على تجاوز ظروفه وتلبية احتياجاته الأساسية في التعليم والصحة والرعاية والإسكان وغيرها غير أن أعظم أثر للعمل الخيري يبدأ حين يتجاوز تقديم الحاجة إلى صناعة القدرة وحين تتحول المساعدة من حل مؤقت إلى فرصة دائمة
فأن تطعم جائعًا خير وأن تعين أسرة محتاجة خير وأن تداوي مريضًا خير لكن أن تؤهل إنسانًا ليعمل وأن تعلم طفلًا وأن تمكن أسرة وأن تفتح أمام شاب فرصة جديدة فذلك عطاء يتجاوز اللحظة إلى المستقبل وينقل الإنسان من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والاستقلالية ليصبح يومًا قادرًا على أن يكون شريكًا في العطاء بعد أن كان مستفيدًا منه
ولا يقف أثر العمل الخيري عند المستفيد وحده بل يمتد إلى المجتمع بأكمله حين تتحول طاقات أفراده إلى طاقة بناء من خلال التطوع والمبادرات المجتمعية فيمنح الإنسان وقته أو علمه أو خبرته أو مهارته ويكتشف أن العطاء لا يرتبط بما يملك من مال وحده فرب كلمة تفتح أملًا ورب ساعة من وقت تصنع فرقًا ورب معرفة تغير مسار حياة

وفي المملكة العربية السعودية يحظى العمل الخيري والقطاع غير الربحي باهتمام متنام ودعم كبير من القيادة الرشيدة انطلاقًا من إيمان راسخ بأن خدمة الإنسان وتنمية المجتمع وتمكين أفراده جزء أصيل من بناء الوطن وقد جاءت رؤية السعودية 2030 لتمنح هذا القطاع دورًا أكثر اتساعًا وتحول العمل غير الربحي إلى شريك فاعل في التنمية الوطنية
فلم يعد العمل الخيري في المملكة قائمًا على المبادرات الفردية فحسب بل أصبح جزءًا من منظومة مؤسسية متكاملة تقوم على التنظيم والحوكمة والشفافية والاستدامة وقياس الأثر وهو تحول يعكس وعيًا بأن النية الطيبة تحتاج إلى مؤسسة قوية وأن العطاء حين يحكمه التخطيط يصبح أكثر قدرة على الوصول وأكثر كفاءة في صناعة الأثر
وجاء تأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي ليعزز البيئة التنظيمية للقطاع ويدعم المنظمات غير الربحية ويرفع كفاءتها ويسهم في تطوير قدراتها واستدامتها كما أسهمت المنصات الوطنية في إحداث نقلة نوعية في تجربة التبرع ومن أبرزها منصة إحسان التي يسرت للمتبرعين الوصول إلى مجالات متعددة من الخير عبر منظومة رقمية موثوقة وسهلة إلى جانب الدور المهم للهيئة العامة للأوقاف في تنمية قطاع الأوقاف وتعظيم أثرها لتكون موردًا مستدامًا يمتد خيره عبر الزمن
وتأتي هذه الجهود ضمن توجه وطني أوسع يجعل القطاع غير الربحي أحد روافد التنمية في المملكة وقد حددت رؤية السعودية 2030 هدفًا لرفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى خمسة في المئة وبحسب التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 بلغت مساهمته 1.4 في المئة بما يعكس نموًا متواصلًا في حضور القطاع وأثره في الاقتصاد والمجتمع

وهنا تتغير الأسئلة التي نقيس بها العمل الخيري فلم يعد السؤال كم أعطينا فقط بل كم أثرًا صنعنا وكم إنسانًا أصبح أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه وكم أسرة تجاوزت ظرفًا قاسيًا وكم طفلًا وجد فرصة أفضل وكم شابًا وجد طريقًا جديدًا وكم إنسانًا شعر في لحظة ضعف أن في هذا المجتمع من يراه ولا يتركه وحده
تلك هي القيمة الأعمق للعمل الخيري أن يتحول المال إلى فرصة والوقت إلى أثر والخبرة إلى تمكين والتطوع إلى طاقة مجتمعية والعطاء إلى حياة أفضل
وفي اليوم العالمي للعمل الخيري نستحضر أن الخير في المملكة العربية السعودية ليس قيمة مستحدثة ولا موسمًا عابرًا بل هو جزء من ثقافة المجتمع وقيمه الراسخة التي جعلت من الزكاة والصدقة والوقف والإحسان والتكافل أبوابًا واسعة للعطاء ومع رؤية السعودية 2030 يتسع هذا الإرث ليأخذ صورة أكثر تنظيمًا واستدامة ويصبح العمل الخيري شريكًا في التنمية وصناعة المستقبل

فالمجتمعات العظيمة ليست تلك التي تخلو من الحاجة وإنما تلك التي لا تترك المحتاج وحده وليست تلك التي يملك جميع أفرادها القدر نفسه من الإمكانات وإنما تلك التي يعرف فيها القادر أن في قدرته مسؤولية ويعرف فيها المحتاج أن له في مجتمعه سندًا
ولعل أجمل ما يمكن أن نتذكره في هذا اليوم أن الخير لا يقاس بحجم ما تملك وإنما بحجم الأثر الذي تتركه بما تملك وأن اليد التي تمتد بالعطاء لا تمنح شيئًا فحسب بل تضع لبنة في بناء مجتمع أكثر رحمة وتماسكًا وتمنح الوطن قوة لا تقاس بالأرقام وحدها
وهكذا يبقى العمل الخيري في المملكة العربية السعودية امتدادًا لإرث أصيل ورؤية تتطلع إلى المستقبل عطاءً يبدأ من الإنسان ويعود إلى الإنسان وأثرًا يتجاوز حدود اللحظة ليصنع حياة أفضل ومجتمعًا أقوى ووطنًا يزداد خيره كلما امتدت فيه يد للعطاء .

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى