
✍️سمير الشحيمي – كاتب عماني :
كانت قطرات المطر تضرب زجاج النافذة بانتظام كدقات ساعة قديمة، بينما جلس المحقق (سمير) في مكتبه المظلم إلا من ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة. كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً حين انزلق طرد صغير مغلف بالورق الأسود من تحت الباب.
لم يُسمع صوت أقدام في الممر، ولا حركة في الشارع الساكن. اقترب المحقق (سمير) بخطوات حذرة، فتح الطرد ليعثر بدخله على شمعة سوداء نصف محترقة، ينبعث منها عبق الفانيليا المحروقة، وملف ورقي يحتوي على صورة واحدة: رجل يجلس في غرفة مظلمة يُمسك بشمعة مماثلة، ويمسح وجهه بظله.
أسفل الصورة كُتبت عبارة بخط يد مرتجف : الضوء لا يكشف الحقيقة دائماً .. أحياناً هو من يخلق الأوهام.
قاد الخيط المحقق سمير إلى منزل مهجور في أطراف الضاحية الشمالية، حيث تشير التحريات الأولية إلى أن المكان يعود لرسام شهير اختفى في ظروف غامضة منذ أسابيع.
عند دخوله، كان الضباب يتربص خلف النوافذ المكسورة، ورائحة الفانيليا تملأ الأرجاء.
في منتصف الغرفة الرئيسية، وجد المحقق سمير طاولات خشبية دائرية وضعت عليها عشرات الشموع السوداء المطفأة، وفي المركز… كرسي فارغ أمامه مرآة مغطاة بقماش أسود.
اقترب المحقق سمير وسحب القماش بحذر، ليرى انعكاسه وسط الضوء الضئيل، لكنه لاحظ شيئاً أربك حواسه؛ على الطاولة خلفه في الانعكاس، كانت هناك شمعة واحدة مشتعلة، بينما في الواقع… لم تكن أي شمعة مضاءة!
التفت سريعاً، فلم يجد أحداً. أعاد النظر إلى المرآة، ليرى بطاقة بيضاء صغيرة أُلصقت على زجاجها السفلية وكتب عليها : أنت لا تطارد قاتلاً.. أنت تطارد فكرة.
كلما أضاءت شمعة لمعرفة السر، انطفأ جزء من حقيقتك.
أدرك المحقق سمير في تلك اللحظة بالذات أنه لا يتعامل مع جريمة اختفاء تقليدية، بل مع عقل مريض يتقن التلاعب النفسي ورسم المتاهات الذهنية.
كان الفاعل يعلم كيف يجعله يشك في حواسه ودقة ملاحظته، مستغلاً الهدوء والظلال.
سحب المحقق سمير معطفه ليحميه من برودة المكان، وأطفأ الشك المتسلل إلى ذهنه بنظرة ثاقبة ، عاد إلى مكتبه، وشغل محرك كتابته ليدون في نهاية الملف:
(تستمر التحريات في قضية الرسام؛ فبعض القتلة لا يستخدمون الخناجر، بل يقتلون يقينك بالظلال.. لكن الظل لا يعيش إلا في وجود الضوء).
تمت.
للتواصل : [email protected]



