العاطفة في مواجهة المهنية .. حين تذوب الحدود داخل المؤسسات

✍️ عبدالله محمد الزبيدي – كاتب رأي :
تتداخل الحدود أحيانًا بين ما هو إنساني وعاطفي وما هو مهني ومؤسسي فتذوب الروابط الشخصية في محيط العمل لتخلق بيئة مشحونة بالتعقيدات..
الخلط بين الصداقة أو القرابة والمسؤولية المهنية من أبرز المعضلات التي تواجه المؤسسات إذ يُبنى العمل العادل على معايير الموضوعية و الكفاءة بينما تُبنى العلاقات الشخصية على العاطفة والميل الوجداني فيغدو التقاؤهما اختبارًا حقيقيًا لنضج أي منظومة إدارية.
تتسلل العلاقات الشخصية إلى بيئة العمل تحت غطاء “الروح الأسرية” أو “دعم الأصدقاء” لتبدأ هيمنة الوجدان على العقل بصورة تدريجية لا تُلاحظ في بداياتها.. و حين يُعهد بإنجاز المهام أو اتخاذ القرارات المصيرية بناءً على القُرب العاطفي لا على الجدارة تفقد المنظومة توازنها شيئًا فشيئًا ، و يظهر ذلك جليًا في المجاملات على حساب الجودة وتجنّب النقد البنّاء خشية جرح المشاعر ، و إسناد المسؤوليات إلى غير أهلها فتتحول بيئة العمل من الإنتاجية و الإنجاز إلى مسرح للمجاملات الاجتماعية والحسابات الشخصية ، فتنعكس هذه الفوضى الحدودية بآثار عميقة على النفس البشرية فالشخص القريب عاطفيًا من الإدارة أو زميل النفوذ يعيش مزيجًا من شعور استحقاق وهمي و مخاوف خفية من فقدان الحظوة في أي لحظة و يظل تحت ضغط دائم..
و في المقابل يتعرض بقية العاملين لغبن نفسي بالغ يتمثل في الإحباط و الشعور بالظلم و تهميش الجهود ، وهو ما يقوّض الدافعية الداخلية للعمل ، و يُطفئ شيئًا فشيئًا شعلة الشغف و الإبداع لدى الكفاءات الحقيقية ، و على المستوى الجماعي تؤدي سيطرة العلاقات الشخصية إلى تفكك النسيج الاجتماعي للمؤسسة فتتشكل التحالفات الخفية ، و تنتشر الثرثرة و النميمة ، و تفقد الثقة أساسها المتين لتحل محلها الريبة والشك .
حين تغيب معايير الكفاءة و الشفافية يُصاب النظام القيمي للمؤسسة بالشلل فتغدو بيئة طاردة للكفاءات الحقيقية، وجاذبة لأصحاب المصالح والولاءات الشخصية الضيقة.
و يتطلب علاج هذه المعضلة شجاعة إدارية و وعيًا ذاتيًا بضرورة الفصل الواضح بين الوجدان والواجب ، و إرساء قواعد حاكمة تضع المهنية في مقامها الأول ، و تجعل من الكفاءة و العدالة المعيار الأوحد للتقييم ، و لا يعني ذلك جفاف المشاعر الإنسانية أو غياب الود بقدر ما هو بناء بيئة عمل صحية تقوم على العدالة و الشفافية ، فالاحترام الحقيقي بين الزملاء يكمن في إتقان العمل وصونه عن الأهواء ، لتبقى بيئة العمل فضاءً للإنجاز و بيئة محفزة و جاذبة للمبدعين .
للتواصل : [email protected]



