“ما عجزت عن قوله “

✍️علياء الغامدي – كاتبة راي :
ثمة أشياء لا تروى،
ليس لأنها غامضة،ولا لأن صاحبها عاجز عن الحديث،
بل لأنها أكبر من أن تختصر في جملة،
وأعمق من أن تحتويها الحروف.
ثمة شعور يسكن في مكانٍ خفيّ من القلب،
لا يعرف كيف جاء، ولا متى بدأ،
غير أنه حين استقر في الروح،
أصبح جزءًا منها،
كأنه ولد مع النبض،
وكأن القلب كان يعرفه قبل أن نعرف نحن معنى الشعور.
أحاول أحيانًا أن أسمّيه،
فأتردّد..
أهو شوق؟
أم حنين؟
أم محبة تجاوزت حدودها؟
أم خوف من فقد شيءٍ لم أمتلكه يومًا؟
أم ذلك الحنين الغريب إلى لحظةٍ لم تحدث،
وإلى مكانٍ لم أسكنه،
وإلى شخصٍ أشعر كأن روحي تعرفه منذ زمنٍ لا أتذكره؟
لا أدري!
كلما حاولت أن أضع له اسمًا،
وجدت الاسم أضيق منه،
وكلما حاولت أن أصفه،
شعرت أنني أظلمه.
هو ليس حزنًا خالصًا،
ففيه من الدفء ما يجعل القلب يتمسك به،
وليس فرحًا كاملًا،
ففيه من الوجع ما يجعل العين تفيض دون سبب.
إنه شعور يقف بين الأشياء،
بين أن أقترب وأن أتراجع،
بين أن أقول كل شيء،
وأن ألوذ بالصمت وكأن الصمت وحده يفهمني.
أحيانًا يزورني في أكثر اللحظات هدوءًا،
حين يخفت ضجيج العالم،
وتبقى الروح وحدها في مواجهة نفسها.
فأجدني أتذكر أشياء صغيرةً لا تستحق في ظاهرها كل هذا الحنين،
نظرةً عابرة،
صوتًا سمعته ذات يوم،
كلمةً قيلت دون قصد،
تفصيلًا بسيطًا ظننته حينها عابرًا،
ثم اكتشفت بعد ذلك أن القلب كان يحفظه بعناية.
وما أغرب القلب.
يترك آلاف التفاصيل تمضي دون أثر،
ثم يتعلق بتفصيلٍ واحد،
ويعيده في ذاكرته ألف مرة،
كأنه يبحث فيه عن معنى ضاع منه.
أحيانًا أتمنى لو كان بإمكاني أن أفتح قلبي كما تفتح الرسائل،
وأترك كل ما عجزت عن قوله يخرج دفعةً واحدة.
دون ترتيب،
دون تردّد،
دون خوفٍ من أن يُساء فهم ما أشعر.
لكنني كلما هممت بالكلام،
عاد الصمت وأمسكني من يدي،
وكأنه يقول لي:
ليس كل ما نشعر به صالحًا لأن يقال.
فأصمت.
وأتعلم أن بعض المشاعرِ لا تحتاج إلى اعتراف،
لأنها ترى في العين حين تلتقي بمن نحب،
وفي ارتباك الصوت،
وفي تلك الابتسامة التي تأتي دون موعد،
وفي الحنين الذي يظهر فجأةً حين نسمع اسمًا بعينه،
وفي قلبٍ يظل مستيقظًا
رغم أن صاحبه أقنع الجميع بأنه بخير.
ثمة أشياء لا نقولها لأننا نخاف أن تفقد جمالها حين تصبح واضحة.
نخاف أن تتحول المشاعر النقية إلى كلماتٍ قابلةٍ للتأويل،
وأن يصبح ما كان في القلب سرًّا جميلًا
حديثًا على ألسنة الآخرين.
لذلك نختار الصمت،
لا ضعفًا،
ولا خوفًا،
بل لأننا نعرف أن بعض الأحاسيس إذا حملت في القلب كانت أجمل،
وإذا نطقت، أصبحت مسؤولية.
وفي الليل،
حين يهدأ كلّ شيء،
أعود إلى ذلك الشعورِ نفسه،
وأتساءلُ:
لماذا يسكنني بهذه القوة؟
ولماذا لا أستطيع أن أنساه كما أنسى سائرَ الأشياء؟
ثم أدرك أن بعض ما يسكن القلب لا يأتي لينسى،
بل يأتي ليترك أثرًا،
ليعلّمنا شيئًا عن أنفسنا،
عن هشاشتنا،
عن قدرتنا على الحب،
وعن ذلك الجزء العميق فينا الذي لا يراه أحد.
وربما ليس مطلوبًا منّي أن أفهمه.
ربما يكفي أن أشعر به.
أن أتركه يعبر في داخلي كما تعبر الغيمة في السماء،
دون أن أسألها إلى أين تذهب،
وكما يعبر الليل على نافذة وحيد،
دون أن يطلب منه أحد تفسيرًا لعتمته.
فأنا لا أملك له اسمًا،
ولا أملك له تفسيرًا،
ولا أملك شجاعة الحديث عنه كما هو.
كل ما أملكه
أن أحمله في قلبي بصمت،
وأن أبتسم حين يسألني أحدهم:
«ما بك؟»
وأقول:
لا شيء…
مع أن في داخلي أشياء كثيرة،
أشياء لو وجدت طريقها إلى الكلام،
لربما احتاجت إلى عمرٍ كاملٍ كي تُقال.
لذلك سأبقيها حيث بدأت،
في ذلك المكان العميق الذي لا تصل إليه اللغة،
حيث لا تقاس المشاعر بالكلمات،
ولا يطلب من القلب أن يشرح نفسه.
سأتركها هناك…
سرًّا بيني وبين قلبي،
كأجمل ما لم أستطع قوله،
وكأصدق شعورٍ عجزتُ عن وصفه.
للتواصل : [email protected]



