كتاب الرأي

الاستقرار

         ✍️سمسمه السعيد – كاتبة رأي :

يبحث الإنسان طوال حياته عن الاستقرار لكنه غالبا ما يربطه بما يحيط به من ظروف فيظن أن المال هو الاستقرار وأن الوظيفة هي الأمان وأن العلاقات المستقرة هي الضمان وأن هدوء الحياة يعني أن الأمور أصبحت بخير غير أن التجربة تكشف حقيقة مختلفة فالاستقرار الذي يعتمد على الخارج وحده يظل معرضا للاهتزاز لأن الحياة بطبيعتها متغيرة وما نملكه اليوم قد يتغير غدا على حسب طبيعة الحياة اليومية التي نعيشها الآن ٠

الاستقرار الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه من قدرته على أن يكون متزنا في تفكيره واضحا في أهدافه واعيا بمشاعره وقادرا على التعامل مع الأحداث دون أن تسمح له الظروف بأن تفقده هدوءه فالإنسان المستقر داخليا ليس شخصا لا يواجه المشكلات بل هو شخص يعرف كيف يواجهها دون أن تتحول إلى فوضى تسيطر على حياته٠

وقد يملك الإنسان كل أسباب الراحة من حوله لكنه يعيش في قلق دائم لأنه لم يجد الطمأنينة في داخله وفي المقابل قد يمر شخص آخر بظروف صعبة لكنه يحتفظ بقدر كبير من الثبات لأنه يعرف أن الظروف مهما اشتدت لا يمكن أن تختصر حياته كلها وهنا يظهر الفرق بين من يعيش في ظروف مستقرة ومن يمتلك استقرارا حقيقيا٠

الاستقرار الداخلي يمنح الإنسان القدرة على اتخاذ قراراته بعيدا عن الخوف والانفعال ويجعله أكثر قدرة على معرفة ما يناسبه وما لا يناسبه كما يمنحه الشجاعة لوضع الحدود والابتعاد عن العلاقات التي تستنزفه ورفض ما لا يتوافق مع قيمه والبدء من جديد عندما يصبح الاستمرار أكثر ضررا من التغيير

أما الاستقرار الخارجي فهو انعكاس عملي لهذا الوعي ويظهر في تنظيم الحياة المهنية والمالية والاجتماعية والأسرية وفي القدرة على تحمل المسؤوليات والتخطيط للمستقبل وبناء علاقات تقوم على الاحترام والتوازن وكلما كانت هذه الجوانب أكثر تنظيما شعر الإنسان بقدر أكبر من الأمان والقدرة على مواجهة متطلبات الحياة

لكن الاستقرار الخارجي وحده لا يكفي لأن الظروف لا تمنح أحدا ضمانا دائما فقد تتغير الوظيفة أو تتبدل العلاقات أو تتراجع الموارد أو تأتي ظروف لم تكن في الحسبان وعندما يكون الإنسان قد وضع كل أمانه في هذه الأشياء يصبح أي تغير فيها تهديدا مباشرا لطمأنينته أما من بنى قوته في داخله فإنه يستطيع إعادة ترتيب حياته دون أن يشعر بأن كل شيء انتهى ٠

ومن هنا فإن الاستقرار لا يعني الجمود بل يعني القدرة على التكيف فالإنسان المستقر لا يخاف من التغيير لمجرد أنه تغيير ولا يتمسك بالأشياء فقط لأنها اعتاد عليها هو يعرف أن بعض المراحل تنتهي وأن بعض العلاقات تتغير وأن بعض الطرق لا بد من تركها حتى يبدأ طريق آخر أكثر ملاءمةللظروف المحيطة به ومن حوله ٠

كما أن الاستقرار لا يعني أن يعيش الإنسان بعيدا عن الطموح أو المخاطر بل أن يكون قادرا على التحرك بوعي فالحياة التي تخلو من التغيير قد تبدو آمنة لكنها قد تتحول إلى سجن إذا أصبح الخوف من فقدان الاستقرار أقوى من الرغبة في التطور٠

ولذلك فإن الاستقرار الناضج يقوم على التوازن بين الثبات والمرونة أن تكون ثابتا في قيمك ومرنا في أسلوبك واضحا في أهدافك وقادرا على تعديل خططك عندما تتغير الظروف أن تحافظ على نفسك دون أن تعزلها عن الحياة وأن تحمي سلامك الداخلي دون أن تهرب من مسؤولياتك٠

وفي النهاية لا يستطيع الإنسان أن يمنع الحياة من التغير لكنه يستطيع أن يبني داخله ما يجعله أكثر استعدادا لهذا التغير فالمستقبل لن يكون دائما واضحا والظروف لن تسير دائما كما نريد لكن امتلاك الوعي والاتزان والقدرة على اتخاذ القرار يمنح الإنسان قوة لا ترتبط بظرف مؤقت ولا بشخص ولا بمكان٠

الاستقرار الحقيقي ليس أن تصبح الحياة خالية من العواصف وإنما أن تصبح أنت أكثر قدرة على عبورها وليس أن تضمن بقاء كل شيء كما هو وإنما أن تثق بأنك قادر على إعادة بناء ما يتغير

وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يصبح الاستقرار أكثر من مجرد شعور بالأمان بل يصبح قوة داخلية وأسلوب حياة قوة تجعله أكثر هدوءا أمام الأزمات وأكثر حكمة في قراراته وأكثر قدرة على الاستمرار وأقل خوفا من المستقبل

فقد تتغير الحياة من حولك في لحظة لكن الإنسان الذي بنى استقراره في داخله لا تبدأ حياته من الصفر عندما تتغير الظروف لأنه يحمل معه أهم ما يحتاجه دائما

نفسا تعرف كيف تصمد وعقلا يعرف كيف يتصرف وإرادة تعرف كيف تبدأ من جديد٠

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى