كتاب الرأي

من يسند السند ؟

       ✍🏻 نادية الجودي – كاتبة راي :

في أحد البيوت، تبدأ امرأة يومها قبل الجميع؛ توقظ أبناءها، وتتابع احتياجاتهم، وتطمئن على والديها، وتنجز عملها، ثم تعود لتستمع إلى شكوى هذا، وتخفف عن ذاك، وتبحث لكل مشكلة عن حل. اعتاد من حولها حضورها الثابت، حتى ترسخت في أذهانهم صورة المرأة القادرة على مواجهة كل شيء. وحين أغلقت باب غرفتها آخر الليل، جلست في صمت طويل، تتمنى سؤالًا صادقًا يعيد إلى روحها شيئًا من الطمأنينة: كيف حالك؟
تتكرر هذه الصورة في حياتنا بأشكال شتى: أب يخفي قلقه حفاظًا على استقرار أسرته، وأم تؤجل راحتها لتلبي احتياجات أبنائها، وقائد يستقبل مخاوف فريقه ويغادر محمّلًا بأثقالهم وصديق يلجأ إليه الجميع ثم يحتفظ بأوجاعه في أعماقه. أولئك الذين اعتدنا صلابتهم يحملون قلوبًا بشرية تتعب، وتضعف، وتثقلها التفاصيل؛ لكنهم أتقنوا إخفاء هشاشتهم، حتى غدت قوتهم دورًا دائمًا في أعين الآخرين. تكمن قسوة الاعتياد في قدرته على تحويل العطاء من فضلٍ يُقدَّر إلى دورٍ متوقع؛ فنطلب المزيد ممن أغدق علينا، ويخفت امتناننا له حين يصبح عطاؤه مألوفًا، ونفسّر صمته قدرة مطلقة، مع أن بعض الصمت وجعٌ مؤجل، وبعض التماسك استغاثةٌ ترتدي ملامح القوة. كثيرون يواصلون حمل الآخرين خشية سقوط الأشياء من حولهم؛ فيخفون إرهاقهم خلف ابتسامة مطمئنة، ويؤجلون حقهم في الراحة، ويمنحون العالم صورة صلبة، بينما تمتلئ أرواحهم بتصدعات خفية. القوة الحقيقية قدرة على الاستمرار رغم حضور التعب، لكنها تحتاج أيضًا إلى الرعاية والاحتواء. فالسؤال الصادق قد يخفف حملًا ثقيلًا، وكلمة التقدير قد ترمم روحًا منهكة، والمشاركة في المسؤولية قد تنقذ إنسانًا من الاحتراق الصامت. الرعاية في جوهرها تبادل إنساني؛ إذ تقوم العلاقات العادلة على المشاركة، والتقدير وتوازن الأخذ والعطاء. من الوفاء أن ننتبه لمن ينتبه إلينا، وأن نصغي لمن اعتاد الإصغاء، وأن نمنح الطمأنينة لمن جعل حضوره وطنًا آمنًا للجميع. قد يواصل هؤلاء طريقهم بصمت؛ لأن كثرة الاعتماد عليهم علّمتهم تأجيل أنفسهم، حتى ارتبطت قيمتهم في أذهانهم بمقدار ما يقدمونه. الحقيقة أن قيمة الإنسان تنبع من إنسانيته، وأن مكانته أوسع من قدرته على الاحتمال، وأعمق من حجم عطائه. فالقلوب التي تتسع للجميع تحتاج قلبًا يتسع لها، والأكتاف التي تحمل أثقال الآخرين تستحق لحظة تضع فيها أحمالها بأمان والأرواح التي تهب الطمأنينة للناس جديرة بنصيبها منها. ربما يبدأ الوفاء الحقيقي حين نرى الإنسان خلف دوره؛ فنرى قلب الأم خلف عطائها، وروح الأب خلف صلابته، ومشاعر القائد خلف قراراته واحتياج الصديق خلف حضوره الدائم. عندها يصبح الاهتمام موقفًا، والتقدير ممارسة والسؤال الصادق يدًا حانية تصل إلى أعماق الروح في الوقت المناسب.
يبقى السؤال الأجدر بالتأمل: كم قلبًا يحمل الجميع في وضح النهار، ثم يعود آخر الليل باحثًا عمّن يقول له: ” ضع حملك هنا…فأنا أشعر بك ” ؟!

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى