عصر الخصخصة الكاملة: قراءة تحليلية في فك الارتباط بين العاطفة الرياضية ولغة الاستثمار

✍️حسن المقصودي- كاتب رأي:
تشهد الرياضة السعودية في مرحلتها الراهنة تحولات هيكلية متسارعة، وضعت الشارع الرياضي في حالة من الترقب والاندفاع نحو التفسيرات العاطفية؛ ومع انتقال الأندية الأربعة الكبرى — الهلال، والنصر، والاتحاد، والأهلي — إلى طور الشركات الاستثمارية الخاضعة لسيادة المال والأعمال، تعالت أصوات تشكك في نزاهة المنافسة، وتتهم صندوق الاستثمارات العامة بمجاملة كيانات على حساب أخرى، بل وذهبت الظنون إلى حد القول بأن هناك تفكيكاً متعمداً لبعض الأندية، وتوجيهاً قسرياً للاعبين والمدربين. غير أن القراءة العميقة والمجردة للمشهد تؤكد أن ما يحدث هو تحول اقتصادي بحت، يجهل الكثيرون أبعادَه الحقيقية.
مفهوم الاستحواذ: إدارة مالية لا توجيه رياضي
إن الحقيقة التنظيمية الأولى التي يجب أن يقف عليها القارئ والوسط الرياضي، هي أن صندوق الاستثمارات العامة لم يدخل المشهد الرياضي ليدير الأندية من منظور فني أو رياضي، بل دخلها بصفته مستثمراً سيادياً يركز على مسارات محددة: الحوكمة، والرقابة المالية، وتطوير الأصول، وإعادة الهيكلة الإدارية.
فالصندوق لا يختار المدربين ولا يسوق اللاعبين لصالح نادٍ دون آخر، بل إن أهدافه متمحورة حول تحويل هذه الأندية إلى شركات تجارية مستقلة ذات ملاءة مالية مستدامة، نأياً بها عن العشوائية الإدارية والديون التاريخية التي كادت تعصف بهذه الكيانات؛ إن القرار الفني والتعاقدات الرياضية بقيت وستظل مسؤولية الإدارات التنفيذية المستقلة داخل كل نادٍ، والتي تتحمل وحدها نجاح خياراتها أو فشلها أمام جماهيرها.
التسلسل الزمني للمشروع: محطات صاغت واقع الخصخصة
إذا تتبعنا المسار الزمني الذي مر به المشروع منذ بذرته الأولى، يتضح لنا جلياً أن قرارات اليوم ليست وليدة الصدفة أو نتاج محاباة عابرة، بل هي خطوات تم التخطيط لها عبر محطات زمنية متكاملة:
بدأت الرحلة رسمياً في الخامس من يونيو لعام ٢٠٢٣م حين أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية. وفي تلك المحطة، أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن استحواذه على حصة الأغلبية بنسبة خمسة وسبعين بالمئة في الأندية الأربعة الكبرى. وكان الهدف الجوهري في هذه السنة هو ضخ السيولة المالية، وتأسيس الشركات التجارية، واستقطاب الكفاءات والنجوم لتسويق الدوري السعودي عالمياً وبناء القيمة السوقية للشركات.
ومع حلول عامي ٢٠٢٥/٢٠٢٤م ، انتقل المشروع إلى محطة الحوكمة واختبار الواقع؛ حيث عُيّن الرؤساء التنفيذيون لإدارة الأندية بعقلية تجارية وصلاحيات واسعة. وفي هذه الفترة، اصطدمت المنظومة بـ (تعددية مراكز القرار) وازدواجيته بين مجلس إدارة شركة النادي التابع للصندوق والمؤسسة غير الربحية التابعة للجمهور، مما أوجد تداخلاً عطل سرعة الحركة الإدارية والمالية، وكان بمثابة جرس إنذار تنظيمي بوجوب الانتقال للمرحلة التالية لفك هذا الارتباط الحرج.
وفي أغسطس من عام ٢٠٢٦، حسمت وزارة الرياضة المشهد بإعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من التخصيص . وجاء القرار التاريخي بحل مجالس إدارات المؤسسات غير الربحية تماماً ونقل حصص ٢٥٪ المتبقية إلى ملكية شركات الأندية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة. هذا النقل لم يكن خطفاً للقرار بل كان خطوة نظامية حتمية لإنهاء ازدواجية الإدارة وتجهيز الأندية للطرح التجاري الاستثماري الكامل.
وتأكيداً على هذا المسار التدريجي المدروس، أعلنت شركة المملكة القابضة في الأول من سبتمبر لعام ٢٠٢٦م عن إتمام صفقة استثمارية ضخمة مع شركة نادي الهلال بقيمة ثمانمائة وأربعين مليون ريال. لتمثل هذه المحطة التطبيق الفعلي والميداني الأول للخصخصة عبر فتح الباب أمام كبرى شركات القطاع الخاص لمشاركة الصندوق في تنمية الأصول الرياضية السيادية وتطويرها وضخ دماء مالية جديدة في عروقها.
معادلة النزاهة: ضوابط صارمة تمنع التوجيه والمحاباة
أمام الاندفاع الجماهيري المشكك في عدالة التنافس تحت مظلة مالك واحد، وضعت المنظومة الرياضية بالتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم ضوابط حوكمة مشددة تفصل تماماً بين الكيانات الأربعة؛ حيث تعتمد هندسة هذا التحول على الفصل التام للذمم المالية وسقوف الميزانيات، إذ يمتلك كل نادٍ إدارة تنفيذية ومالية ومفاوضين يعملون بمعزل عن الأندية الأخرى.
كذلك، استُبعدت الكوادر التنفيذية للصندوق من التدخل في الشؤون اليومية والرياضية للأندية لضمان الحياد التام، بينما تراقب لجان امتثال مستقلة في الاتحاد السعودي لكرة القدم حركة القرارات والتعاقدات لضمان تكافؤ الفرص؛ إن الادعاء بتوجيه لاعب أو مدرب لنادٍ معين هو ادعاء يتصادم مع الواقع القانوني والرقابي الصارم الذي يحكم الكيانات الأربعة.
خاتمة تفسيرية: الرياضة كصناعة لا كعاطفة وجدانية
إن الهدف من هذه القراءة التحليلية هو تبصير الوسط الرياضي بوضع الحقائق في نصابها الصحيح؛ فالرياضة السعودية غادرت أروقة العاطفة الجماهيرية والمؤسسات التقليدية إلى غير رجعة، ودخلت عصر الصناعة الحقيقية التي تساهم في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة وفق رؤية ٢٠٣٠.
وعلى القارئ المنصف أن يدرك أن فترات تسيير الأعمال الحالية والتغيرات الإدارية ليست عقاباً لنادٍ أو منحة لآخر، بل هي مرحلة هدوء تنظيمي تسبق تدشين عصر الخصخصة الشاملة والكاملة؛ لن تُدار الأندية بعد ذلك بالأمنيات أو الضغوط الجماهيرية، بل بمؤشرات الأداء، والقوائم المالية المجدولة، والأرباح الاستثمارية، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها المستثمرون والصناديق السيادية في عالم الاحتراف الحقيقي.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



