كتاب الرأي

{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

زاوية:  ” جمعتنا آية “

    ✍️حسن المقصودي – كاتب رأي: 

الميثاق الغليظ.. أمانة الكلمة وعقد الروح
في مستهل هذا اللقاء، أود أن أزجي وافر التقدير والامتنان للقراء الأعزاء الذين بدأوا يشاركوني هذه الزاوية بمقترحاتهم المقدرة ورؤاهم الثرية، والتي تمنح قلمي دافعاً متجدداً للعطاء. وتأسيساً على هذا التفاعل النبيل، نبحر اليوم معاً في رحاب آية عظيمة تتكامل في ظلالها الرؤية القرآنية لبناء الأسرة، حين ترفع الشريعة هذا الرابط الإنساني إلى أرفع مراتب القداسة؛ فالإسلام لم يصف عقداً دنيوياً بـ (الميثاق الغليظ) إلا في موضعين: ميثاقه مع الأنبياء لحمل الرسالة، وعقد النكاح. هذا الفرز الإلهي ينقل العلاقة الزوجية من مساحة التدبير المعيشي العابر أو الشراكة النفعية الباردة، إلى عهدٍ معقود باسم الله، قائم على كلمة الخالق ونفخة الروح؛ عهدٌ تترتب على استقراره سكينة الوجود بأكمله، وتتوقف على اضطرابه مصائر نفوس غضة تنمو في ظلال هذه الأمانة.

المعروف.. هندسة البيوت ولين الجانب
حينما تبحر سفينة الحياة وسط العواصف، لا ينهض بالبيوت مجرد العواطف المشتعلة، بل يمنحها الأمان قانون (المعروف) المستمر يومياً تحت سقف واحد. والمعروف هو كل ما استقرت عليه الفطرة الإنسانية السوية؛ من الكلمة الدافئة، والتغافل الذكي عن الهنات، وأداء الحقوق الواجبة برضا وتكامل يُسقط الحسابات المشروطة الضيقة. الإمساك بالمعروف يفرض أن تُدار البيوت بالتكريم لا بالتسخير، وبالرحمة لا بالقهر؛ فلا يُحبس طرفٌ في علاقة ليكون مستودعاً للأذى أو مستنزفاً في أمانه النفسي والمادي، بل ليكون شريكاً في ملاذ آمن يزهر بالسلام.

الإحسان.. فخامة الوداع وصيانة المروءة
تتجلى عبقرية الشريعة وفخامتها في استيعابها لتقلبات القلوب وطبائع البشر؛ فالنفوس قد تختلف، والوئام قد يتعذر رغم المحاولات الصادقة، وهنا يفتح القرآن نافذة للضوء تسمى: (أو تسريح بإحسان). ومن الإعجاز الدلالي أن الآية لم تقف عند حدود (العدل) في الفراق، بل ارتقت به إلى مرتبة (إحسان)؛ لأن العدل يعطي الحقوق الجافة بحكم القانون، بينما الإحسان يوجب الستر، ويفرض العفو، ويمنح الإكرام والتطييب للخاطر المنكسر، لتظل المروءة الإنسانية شامخة لا تنحني في مواسم الرحيل.

الفراق النبيل.. مواجهة التشفي بطهارة النهايات
إن الخطيئة الاجتماعية والنفسية المعاصرة تتبدى بوضوح حين يتحول الفراق إلى ساحة حرب يغذيها التشفي والأنانية؛ حيث يمارس أحد الطرفين عند الوداع ظلماً مركباً يستنزف فيه عمر الشريك، ثم يبتر أسباب استقراره المادي والاجتماعي بنبش الأسرار وهتك الستر، ويطالبه بعد ذلك بكل برود بأن يمضي بسلام. هذا المسلك الملتوي هو خروج كامل عن مقاصد الدين؛ فالتسريح بالإحسان جاء ليمنع تحويل الأبناء والالتزامات إلى أدوات للتنكيل والابتزاز، مؤكداً أن معادن البشر الحقيقية وسرائرهم الأصيلة لا تُختبر في بريق البدايات, بل في طهارة النهايات.

رسالة الحياة
إن العقود قد تنفسخ، والشركاء قد يفترقون، وتلك سنّة الحياة وتداول الأيام بين الناس. لكن الأعراض لا تُستباح بعد الفراق، والأسرار لا تُهتك في مجالس الخصومة، والفضل لا يسقط بانتهاء الحبال الزوجية؛ فالنبل الحقيقي هو الذي يكتب الفصل الأخير بنقاء. اجعلوا من هذه الآية دستوراً محفوراً في سويداء الضمائر؛ إن بقيتم فكونوا الملاذ والأمان والرحمة، وإن رحلتم فارحلوا كالطيب، يغيب وتظل رائحته الزكية عالقة في المكان. فالخلافات ستمضي والمحاكم ستغلق ملفاتها، لكن المروءة والستر هما الشهادة الباقية لكم أو عليكم بين يدي الله.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى