استقالات وإقالات في البنتاغون.. هل تعيد واشنطن تشكيل جيشها أم تواجه أزمة قيادة؟

✍️ العميد . م. ندى الخمعلي -كاتب راي :
لم تعد الاستقالات والإقالات المتلاحقة في صفوف القيادات العسكرية الأمريكية مجرد تغييرات إدارية عابرة، بعدما وصلت موجة المغادرات إلى منصب حساس بحجم وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول، الذي قدم استقالته في 31 أغسطس 2026، وسط تقارير عن توترات وخلافات مع وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتأتي هذه الخطوة بعد مغادرة أو إقالة عدد من كبار القادة العسكريين خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول ما يجري داخل وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون».
المشهد اللافت ليس في استقالة مسؤول واحد، وإنما في تراكم التغييرات داخل قمة المؤسسة العسكرية. فقد شملت المغادرات شخصيات عسكرية رفيعة، بينها رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، وقادة آخرون في الجيش والقوات البحرية والجوية، ما يعكس عملية واسعة لإعادة تشكيل القيادة العسكرية الأمريكية.
وهنا تبرز قراءتان لما يحدث. القراءة الأولى ترى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث تقوم بعملية إعادة هندسة للمؤسسة العسكرية، بهدف وضع قيادات أكثر انسجاماً مع رؤيتها السياسية والاستراتيجية، وتقليص ما تعتبره بيروقراطية متجذرة داخل البنتاغون. أما القراءة الثانية فتخشى أن يؤدي استمرار التغييرات السريعة إلى فقدان قدر من الخبرة والاستقرار المؤسسي، خصوصاً عندما تطال المناصب العسكرية العليا التي تحتاج بطبيعتها إلى الاستمرارية والتراكم المهني.
وتزداد أهمية استقالة دريسكول لأنها جاءت في قلب هذا التجاذب. فالتقارير تشير إلى وجود توتر بينه وبين هيغسيث بشأن عدد من الملفات والقرارات المتعلقة بالقيادة العسكرية، فيما اعتُبر دريسكول أحد الشخصيات التي يمكن أن تمثل ثقلاً موازناً داخل البنتاغون. وبالتالي فإن خروجه قد يعني أن كفة وزير الدفاع أصبحت أكثر قوة في إعادة تشكيل المؤسسة وفق رؤيته.
لكن من الخطأ تفسير هذه التطورات على أنها تعني انهيار الجيش الأمريكي أو تراجع قوته العسكرية. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك واحدة من أقوى المؤسسات العسكرية في العالم، بقدرات بشرية وتقنية واستراتيجية هائلة. إلا أن قوة الجيوش لا تقاس بالسلاح وحده؛ فالاستقرار في القيادة، والثقة بين القيادات المدنية والعسكرية، واستمرارية التخطيط، كلها عناصر أساسية للحفاظ على الجاهزية.
والأهم أن هذه التطورات تأتي في توقيت شديد الحساسية للسياسة الأمريكية، مع استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتصاعد التنافس مع الصين وروسيا، وعودة المواجهة مع إيران إلى الواجهة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح أي حالة اضطراب داخل القيادة العسكرية محل اهتمام الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ومن هنا يمكن القول إن ما يحدث في البنتاغون ليس بالضرورة علامة ضعف، لكنه بالتأكيد علامة على تحول كبير في العقيدة الإدارية والسياسية للقيادة العسكرية الأمريكية. والسؤال الحقيقي ليس: لماذا استقال وزير الجيش؟ بل: إلى أين تتجه المؤسسة العسكرية الأمريكية بعد هذه الموجة من التغييرات؟
فإذا كانت واشنطن تقوم بعملية منظمة لإعادة بناء القيادة بما يتوافق مع استراتيجية جديدة، فقد تظهر نتائجها خلال السنوات المقبلة في صورة جيش أكثر انسجاماً مع القرار السياسي. أما إذا تحولت الإقالات والاستقالات إلى صراع مستمر بين القيادات، فقد تصبح المشكلة أخطر، لأن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى الانضباط والوضوح والثقة أكثر مما تحتاج إلى كثرة التغييرات.
الخلاصة أن استقالة وزير الجيش الأمريكي ليست خبراً منفرداً؛ إنها حلقة جديدة في عملية إعادة تشكيل واسعة للقيادة العسكرية الأمريكية، ستبقى تداعياتها مهمة ليس لواشنطن وحدها، وإنما لحلفائها، وفي مقدمتهم دول الخليج والسعودية، ولخصومها أيضاً.
للتواصل : [email protected]



