أشياء دفعتُ ثمن معرفتها من عمري

✍️شفاء محمد- كاتبة رأي :
بعض الدروس لم أقرأها في كتاب، ولم يخبرني بها أحد…
دفعتُ ثمنها سنوات من عمري تعلمتها من مواقف كنت أظنها يومًا نهاية العالم، ومن أشخاص حسبتهم باقين، ومن أبواب طرقتها طويلًا قبل أن أفهم أنها لم تكن لي، ومن صمتٍ جاء متأخرًا بعدما اكتشفت أن بعض الكلام لم يكن يستحق أن يُقال.
الحياة لا تعطينا دروسها مجانًا دائمًا.
أحيانًا تأخذ مقابلها وقتًا، وأحيانًا قلبًا، وأحيانًا ثقة، وأحيانًا سنوات كاملة… ثم تترك لنا الحكمة بعد أن ينتهي كل شيء.
دفعتُ من عمري لأتعلم أن ليس كل من أحببناه يستحق كل ما منحناه.
فالمحبة وحدها لا تكفي لاستمرار العلاقات، والنية الطيبة لا تجعل الطرف الآخر طيبًا بالضرورة، وكثرة العطاء لا تضمن الوفاء.
كنت أظن أن الإنسان كلما أحسن للآخرين، أحسنوا إليه.
ثم علمتني الحياة أن أخلاقك تعبّر عنك أنت، أما أخلاق الآخرين فتعبر عنهم هم.
افعل الخير لأنك تشبهه… لا لأنك تنتظر أن يعود إليك من الشخص نفسه.
ودفعتُ من عمري لأتعلم أن بعض المعارك كان انتصاري الحقيقي فيها أنني لم أخضها.
كم من مرة حاولنا إثبات أننا على حق؟
وكم من نقاش استنزف أعصابنا ووقتنا، ثم اكتشفنا لاحقًا أن الطرف الآخر لم يكن يبحث عن الحقيقة أصلًا؟
مع العمر نفهم أن الصمت ليس دائمًا ضعفًا، وأن تجاهل بعض الأشياء ليس عجزًا، وأن الإنسان لا يحتاج أن يدافع عن نفسه أمام كل من أساء فهمه.
هناك مرحلة تصل إليها فتقول:
ليظنوا ما يشاؤون… أنا أعرف من أنا.
وتلك وحدها راحة لا يعرف قيمتها إلا من أمضى سنوات يحاول تفسير نفسه للجميع.
ودفعتُ من عمري لأتعلم أن الوقت أغلى بكثير مما كنا نعتقد.
في شبابنا نتعامل مع السنوات وكأنها لا تنتهي.
نؤجل أحلامًا، ونؤجل سفرًا، ونؤجل اعتذارًا، ونؤجل جلسة مع والدينا، ونؤجل الاهتمام بصحتنا، ونقول دائمًا: ما زال هناك وقت.
ثم نكبر قليلًا ونكتشف الحقيقة القاسية:
بعض الأشياء عندما تؤجلها… لا تنتظرك.
أشخاص يرحلون.
فرص تنتهي.
أعمار تتغير.
وصحة قد لا تعود كما كانت.
لذلك أصبحت أرى أن من أجمل أشكال الثراء أن تملك وقتك، وأن تقضيه مع من تحب، وفيما تحب، قبل أن يصبح كل ما تملكه هو ذكريات عن أشياء كنت تتمنى لو فعلتها.
وتعلمت أن الخسارة ليست دائمًا خسارة.
كم بكينا على باب أُغلق؟
وكم تمنينا شخصًا لم يبقَ؟
وكم اعتقدنا أن فرصة ضاعت منا ولن تتكرر؟
ثم مرت السنوات، ونظرنا إلى الخلف وقلنا:
الحمد لله أنها لم تحدث كما أردت.
وهنا ندرك شيئًا عجيبًا في الحياة؛ أننا نحكم على الأحداث وهي في منتصف الطريق، بينما حقيقتها لا تظهر أحيانًا إلا في نهايته.
فلا تحكم على كل خسارة في لحظتها.
بعض الأشياء تخرج من حياتك لأنها لو بقيت لأخذت منك أكثر بكثير مما أخذ رحيلها.
ودفعتُ من عمري لأتعلم أن الصحة ليست تفصيلًا صغيرًا في الحياة… بل هي الحياة نفسها.
نركض خلف المال والعمل والإنجاز، ونحمل همومًا ربما لن نتذكرها بعد سنوات، ونستهلك أجسادنا وكأنها ستبقى معنا بالقوة نفسها إلى الأبد.
ثم يكفي ألم واحد، أو ليلة واحدة نتمنى فيها أن نستيقظ بلا وجع، لنعرف أن الإنسان الذي يفتح عينيه صباحًا وهو بخير يمتلك نعمة أكبر من أشياء كثيرة كان يعتقد أنها أهم.
وتعلمت ألا أستهين براحة البال.
في مرحلة ما من العمر تتغير مقاييسنا.
لا نعود نبحث عن كثرة الأشخاص، بل عن صدقهم.
ولا عن الأماكن المزدحمة، بل عن الأماكن التي نشعر فيها أننا على طبيعتنا.
ولا عن الانتصار في كل خلاف، بل عن ليلة ننام فيها وقلبنا هادئ.
نكتشف أن راحة البال ليست حياة خالية من المشكلات، وإنما قدرة على معرفة ما يستحق أن نحمله معنا… وما يجب أن نضعه جانبًا ونكمل الطريق.
أما أغلى درس دفعنا ثمنه، فهو أن العمر لا يعود.
المال يمكن تعويضه.
والفرص قد تأتي مرة أخرى.
والبيوت يمكن بناؤها من جديد.
لكن يومًا مضى من عمرك لن تستطيع شراءه بكل ما تملك.
ولهذا، كلما تقدم بي العمر أصبحت أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا.
لم أعد أسأل فقط: ماذا سأكسب من هذا؟
بل أسأل:
كم سيأخذ هذا من عمري؟
كم سيأخذ من هدوئي؟
من صحتي؟
من أيامي؟
ومن اللحظات التي كان يمكن أن أعيشها بصورة أجمل؟
لأننا في النهاية لا نخسر أعمارنا دفعة واحدة.
نخسرها يومًا وراء يوم… في أشياء ربما لم تكن تستحق كل ذلك منا.
ولو كان بإمكاني أن أضع خلاصة كل ما علمتني إياه الحياة في جملة واحدة، فسأقول:
لا تنتظر أن تدفع من عمرك ثمن كل درس.
تعلم أحيانًا من تجارب الآخرين، واستمع لمن سبقك في الطريق، ولا تتمسك بشيء فقط لأنك أمضيت سنوات تتمسك به.
فليس كل استمرار وفاء،
ولا كل رحيل خسارة،
ولا كل صمت ضعفًا،
ولا كل ما تأخر عنك كان شرًا.
وفي النهاية…
نحن لا نخرج من الحياة كما دخلناها.
تأخذ منا الأيام شيئًا من اندفاعنا، وبعضًا من سذاجتنا، وكثيرًا من توقعاتنا… لكنها، إن أحسنا فهمها، تمنحنا شيئًا أثمن.
في الخاتمة:
نقضي نصف العمر نجمع التجارب، ثم نقضي النصف الآخر نتمنى لو عرفنا منذ البداية ما عرفناه في النهاية.
للتواصل : [email protected]



