مفتاح التغيير يبدأ من مواجهة الذات

✍️ العميد .م. ندى الخمعلي – كاتب رأي :
يقول أ.د. مضحى ساير المصلوخي: «مفتاح التغيير والتطوير: لا يمكنك تغيير شيء لا تدرك وجوده، لذا فإن أول خطوات النمو الشخصي هي الشجاعة في مواجهة الذات ومصارحتها». وفي هذه الكلمات تختصر واحدة من أهم الحقائق في رحلة الإنسان نحو التطور؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، وإنما من الداخل، ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى نسخة أفضل من نفسه قبل أن يعرف بصدق ما الذي يحتاج إلى تغييره.
كثيرًا ما نبحث عن أسباب تعثرنا خارج ذواتنا، فنحمّل الظروف مسؤولية إخفاقاتنا، ونلقي باللوم على الآخرين، وننتظر أن تتغير الحياة من حولنا حتى نشعر بالراحة والاستقرار. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع إصلاح ما يرفض الاعتراف بوجوده. فالمشكلة التي لا نراها تظل قائمة، والصفة التي لا نعترف بها تستمر في التأثير على قراراتنا وعلاقاتنا، والخطأ الذي نبرره بدل أن نواجهه يتحول مع الوقت إلى عادة يصعب التخلص منها.
ومواجهة الذات ليست جلدًا للنفس ولا تقليلًا من شأنها، بل هي نوع من الشجاعة والنضج. أن يجلس الإنسان مع نفسه بصدق ويسأل: أين أخطأت؟ ماذا ينقصني؟ ما الذي أكرره رغم أنني أعرف أنه يضرني؟ وما الذي ينبغي أن أتعلمه حتى أصبح أفضل؟ هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة في بدايتها، لكنها في الوقت نفسه قد تكون البوابة الأولى نحو التحرر والتغيير.
والإنسان الواعي لا يخشى اكتشاف عيوبه؛ لأنه يدرك أن الاعتراف بالنقص ليس ضعفًا، وإنما بداية القوة. فالذي يعرف نقاط ضعفه يستطيع أن يعمل عليها، والذي يكتشف أخطاءه يستطيع تصحيحها، والذي يدرك جوانب القصور في شخصيته يستطيع أن يطورها. أما إنكار الواقع الداخلي، فإنه يمنح الإنسان راحة مؤقتة، لكنه يؤجل المشكلة ولا يحلها.
إن النمو الشخصي ليس قرارًا لحظيًا، بل رحلة مستمرة تحتاج إلى وعي ومراجعة وشجاعة. وقد يتغير الإنسان عندما يغير طريقة تفكيره، أو أسلوب تعامله، أو دائرة علاقاته، أو أولوياته، أو نظرته إلى الحياة. وكل تغيير كبير يبدأ غالبًا من لحظة صغيرة يدرك فيها الإنسان حقيقة عن نفسه لم يكن يريد الاعتراف بها.
ولعل أجمل ما في مصارحة الذات أنها تجعل الإنسان أكثر تصالحًا مع نفسه وأكثر قدرة على فهم الآخرين. فمن يعرف ضعفه يصبح أكثر رحمة بضعف الآخرين، ومن يدرك أخطاءه يصبح أقل اندفاعًا في الحكم على الناس، ومن يتعلم مراجعة نفسه لا يحتاج إلى أن ينتصر في كل نقاش، لأنه يبحث عن الحقيقة لا عن الانتصار.
وفي عالم سريع التغير، لم يعد التطوير خيارًا ترفيًّا، بل أصبح ضرورة للإنسان في حياته الشخصية والمهنية والاجتماعية. غير أن التطوير لا يبدأ دائمًا بقراءة كتاب جديد أو تعلم مهارة جديدة؛ أحيانًا يبدأ بسؤال صادق نوجهه إلى أنفسنا: هل أنا فعلًا كما أعتقد أنني؟ ومن هنا تبدأ رحلة الوعي، ثم يأتي الاعتراف، ثم القرار، ثم العمل، وأخيرًا التغيير.
إن مفتاح التغيير ليس في البحث الدائم عن عالم جديد، وإنما في امتلاك الشجاعة للنظر إلى عالمنا الداخلي أولًا. فحين نرى أنفسنا بوضوح، نعرف ما ينبغي أن نحافظ عليه وما ينبغي أن نغيره، وعندها يصبح التطوير مشروعًا حقيقيًا لا مجرد أمنية.
فالإنسان لا يتغير لأنه يريد أن يتغير فقط، بل لأنه أدرك ما يحتاج إلى تغييره، وواجهه بشجاعة، ثم بدأ العمل عليه. وهنا تكمن الحكمة العميقة في مقولة أ.د. مضحى ساير المصلوخي: إن أول أبواب النمو ليست في العالم من حولنا، وإنما في المرآة التي نرى فيها أنفسنا.
للتواصل : [email protected]



