الإعلامي… بين المسمّى والرسالة

✍️ فيصل سعيد الغامدي – كاتب سعودي :
في زمنٍ لم يعد فيه الوصول إلى الجمهور حكرًا على المؤسسات، تحوّل “الإعلام” من مهنة ذات معايير واضحة ومسارات محددة، إلى مساحة مفتوحة يتدفق فيها الجميع بلا بوابة ولا ضوابط. يكفي اليوم أن يحمل الشخص هاتفًا ذكيًا، أو يكتب منشورًا، أو يصوّر مقطعًا، حتى يُطلق على نفسه “إعلامي”. وهنا تبدأ الإشكالية.
لم يكن مصطلح “الإعلامي” يومًا لقبًا عابرًا، بل كان نتاج سنوات من الدراسة، والتجربة، والتدريب، والالتزام بميثاق مهني صارم. الإعلامي الحقيقي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل صانع وعي، ومؤثر في الرأي العام، وحارس للحقيقة، يدرك خطورة الكلمة والصورة، ويزن كل ما يقدمه بميزان المسؤولية.
لكن مع الانفجار الرقمي ومنصات التواصل، سقطت الحواجز، واختلطت الأدوار. لم يعد هناك فارق واضح بين الصحفي المحترف، وصانع المحتوى، والهاوي، والباحث عن الشهرة. الجميع يتحدث، والجميع ينشر، والجميع يعلّق… لكن ليس الجميع إعلاميًا.
هذه الفوضى في استخدام المسمّى لم تمر دون أثر. فقد تضرر الإعلاميون المهنيون بشكل مباشر، ليس فقط من حيث التقدير، بل من حيث الثقة. عندما يخطئ شخص غير مؤهل وينسب نفسه للإعلام، فإن الخطأ لا يُحسب عليه وحده، بل ينعكس على صورة المهنة بأكملها. وهنا تكمن الخطورة.
الإعلامي المهني يعمل ضمن منظومة: يتحقق من مصادره، يلتزم بالموضوعية، يفصل بين الرأي والخبر، يحترم أخلاقيات النشر، ويعي تبعات ما يقدمه. بينما في الطرف الآخر، نجد محتوى يُنشر بلا تحقق، وآراء تُقدَّم كحقائق، ومعلومات مضللة تنتشر بسرعة تفوق قدرة التصحيح.
الأمر لا يتعلق بإقصاء أحد، ولا بمصادرة حق التعبير، فهذه مساحة مفتوحة للجميع. لكن الخلط بين “التعبير” و”الإعلام” هو أصل المشكلة. ليس كل من عبّر إعلاميًا، كما أن ليس كل من امتلك منصة أصبح صاحب رسالة.
إن الحفاظ على هيبة المسمّى لا يعني احتكاره، بل إعادة تعريفه. يجب أن يعود “الإعلامي” إلى معناه الحقيقي: الشخص المؤهل، المسؤول، الواعي، الذي يحمل رسالة، وليس مجرد حساب نشط أو صوت مرتفع.
كما أن على المؤسسات الإعلامية أن تعزز حضورها المهني، وتُبرز نماذج حقيقية يُحتذى بها، وعلى الجهات المعنية أن تضع أطرًا واضحة تحفظ المهنة من التسيب، دون أن تقيد الإبداع أو حرية الطرح.
وفي المقابل، يقع على الجمهور دور كبير. فالمتلقي اليوم لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريك في صناعة التأثير. وعيه في اختيار من يتابع، ومن يثق به، هو ما يحدد من يستحق الاستمرار.
ختامًا، يبقى السؤال الأهم:
هل الإعلام مجرد وسيلة للنشر؟ أم مسؤولية تُبنى على المعرفة والالتزام؟
الفرق بين الاثنين… هو ما يحدد من هو “الإعلامي” حقًا.
للتواصل: [email protected]




موضوع بالصميم
يعطيك العافيه استاذ فيصل👍