كتاب الرأي

حين ينجح الإنسان ويخسر نفسه

          ✍️سمسمه السعيد – كاتبة رأي :

في زمن أصبح فيه النجاح معيارا للحكم على الإنسان لم يعد السؤال عن قيمته مرتبطا بما يملكه من أخلاق وتجارب ومواقف بقدر ما أصبح مرتبطا بما حققه من منصب وما جمعه من مال وما حققه من حضور وما تركه من صورة أمام الآخرين وبين هذا السباق المتواصل نحو القمة يقف الإنسان أمام مفارقة تستحق التأمل فقد ينجح في الوصول إلى كل ما أراده لكنه يخسر في الطريق الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعويضه وهو نفسه

لم يعد النجاح اليوم مجرد طموح شخصي يسعى الإنسان من خلاله إلى تحسين حياته بل تحول في كثير من الأحيان إلى سباق مفتوح تحكمه المقارنات وتغذيه الرغبة في إثبات الذات ويبدأ هذا السباق مبكرا حين يتعلم الإنسان أن عليه أن ينجح بأي ثمن وأن يتقدم باستمرار وأن يتجاوز الآخرين وأن يؤجل راحته وحياته الخاصة إلى وقت لاحق فيصبح المستقبل مبررا دائما لإهمال الحاضر وتتحول عبارة عندما أنجح سأعيش إلى وعد مؤجل قد لا يأتي أبدا

ولا تكمن المشكلة في الطموح فالطموح قيمة إيجابية ومحرك أساسي للتقدم ولا في الرغبة في تحقيق الاستقرار والتميز فالإنسان بطبيعته يبحث عن الأفضل وإنما تكمن المشكلة عندما يفقد الطموح توازنه ويتحول النجاح من وسيلة لبناء حياة أفضل إلى غاية تستهلك الإنسان بالكامل وعندما يصبح تحقيق الهدف أهم من الطريقة التي نصل بها إليه وأهم من الثمن الذي ندفعه في سبيله

عندها يبدأ الإنسان بالتنازل تدريجيا عن أشياء تبدو صغيرة في البداية لكنها تصبح مع مرور الوقت خسائر كبيرة يقتطع من نومه من أجل العمل ويقتطع من صحته من أجل المال ويقتطع من وقته مع أسرته من أجل المستقبل ويبتعد عن أصدقائه بحجة الانشغال ويتخلى أحيانا عن مبادئه من أجل فرصة أو منصب ثم يطمئن نفسه بأن كل ما فقده يمكن استعادته عندما يصل

لكن بعض الأشياء لا تنتظر

فالوقت الذي يمر لا يعود والأبناء يكبرون والأهل يتقدم بهم العمر والعلاقات التي أهملت طويلا قد لا تعود إلى ما كانت عليه والصحة التي استنزفتها سنوات العمل قد لا يمكن استعادتها بالكامل وعندما يصل الإنسان أخيرا إلى ما كان يريده قد يكتشف أن الطريق أخذ منه أكثر مما كان مستعدا لدفعه

وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة التي لا تظهر في قصص النجاح السريعة ولا في الصور التي تحتفي بالإنجاز ماذا يعني أن تحصل على منصب كبير إذا لم يعد لديك وقت لمن تحب وماذا تعني الثروة إذا أصبحت عاجزا عن الاستمتاع بها وماذا تعني الشهرة إذا كان الإنسان عاجزا عن الشعور بالرضا وهو وحده وماذا يعني أن يراك الجميع ناجحا بينما تشعر في داخلك أنك فقدت شيئا لا تستطيع تسميته

الحقيقة أن الإنجاز والنجاح ليسا شيئا واحدا فالإنجاز يعني الوصول إلى هدف محدد أما النجاح بمعناه الأعمق فهو أن تصل إلى هدفك دون أن تفقد حياتك في الطريق وأن تحقق طموحك دون أن تدفع صحتك ثمنا له وأن تتقدم مهنيا دون أن تتراجع إنسانيا وأن تكسب المال دون أن تخسر الوقت وأن تحصل على المكانة دون أن تفقد علاقتك بمن كانوا معك قبل أن يعرف الناس اسمك الذي هو سبب نجاحك في تحقيق هدفك والوصول الى النجاح المطلوب

ومن هنا يصبح النجاح الحقيقي أكثر ارتباطا بالتوازن منه بالوصول فليس المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن طموحه أو أن يعتذر عن رغبته في التقدم بل المطلوب أن يعرف حدود الطموح وأن يدرك أن النجاح الذي يستهلك صاحبه بالكامل قد يتحول في النهاية إلى شكل آخر من أشكال الخسارة٠

لقد صنعت المقارنات الاجتماعية صورة للناجح وكأن عليه أن يكون متاحا دائما ومنتجا دائما ومتقدما دائما وكأن التوقف ضعف والراحة تقصير والتراجع فشل لكن الإنسان ليس آلة إنتاج ولا يمكن اختصار حياته في قائمة من الإنجازات فهناك جانب آخر لا يظهر في السيرة المهنية لكنه يشكل جوهر الحياة علاقته بأسرته وصداقاته وصحته وراحته النفسية ورضاه عن ذاته وقدرته على الاستمتاع بالأشياء البسيطة التي لا تدخل في حسابات النجاح التقليدية٠

والأكثر خطورة أن الإنسان قد يعتاد التضحية إلى درجة لا يعود معها قادرا على التمييز بين ما يستحق التضحية وما لا يستحقها فيدفع من عمره ثمنا لأشياء كان يمكن تحقيقها بطريقة أكثر اتزانا ويستمر في الطريق فقط لأنه قطع فيه مسافة طويلة مع أن الحكمة أحيانا ليست في الاستمرار وإنما في القدرة على التوقف وإعادة النظر واختيار طريق لا يجبرنا على خسارة أنفسنا

إن النجاح الذي يستحق أن نحتفي به هو النجاح الذي يضيف إلى حياة الإنسان ولا يلتهمها والذي يمنحه مساحة أكبر للعيش لا مساحة أقل والذي يجعله أكثر قربا من ذاته لا أكثر اغترابا عنها فالمنصب يمكن أن يتغير والمال يمكن أن يزيد وينقص والشهرة قد تأتي وتذهب لكن علاقتنا بأنفسنا وبمن نحب هي ما يبقى معنا عندما تخفت الأضواء وينتهي التصفيق

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل رحلة نحو النجاح ليس فقط ماذا أريد أن أحقق بل من أريد أن أكون عندما أحقق ذلك وهل الطريق الذي أسلكه الآن يقودني إلى حياة أفتخر بها أم يقودني إلى نسخة مني لا أعرفها وهل سأصل إلى هدفي وأنا ما زلت أملك الوقت والصحة والعلاقات والقيم التي تجعل لهذا الهدف معنى

ربما لا تكمن المشكلة في أننا نحلم كثيرا وإنما في أننا أحيانا نمنح أحلامنا الحق في أن تأخذ كل شيء منا وربما لا تكون القوة في أن نعمل بلا توقف بل في أن نعرف متى نعمل ومتى نرتاح ومتى نرفض ومتى نعيد ترتيب أولوياتنا فالحياة ليست مشروعا مهنيا مفتوحا إلى ما لا نهاية والإنسان ليس رقما في تقرير أداء ولا قيمة يمكن اختصارها في منصب أو راتب أو عدد من الإنجازات٠

في النهاية لا أحد يرفض النجاح ولا أحد يدعو إلى التخلي عن الطموح لكن النجاح يصبح بلا معنى عندما يكون ثمنه فقدان الإنسان لذاته فليس من الحكمة أن نبني مستقبلا رائعا ثم نكتشف أننا خسرنا حاضرنا وليس من المنطقي أن نجمع ما يكفي من المال ثم نكتشف أننا فقدنا الوقت الذي كنا نريد أن نستمتع فيه به وليس انتصارا أن نكسب إعجاب الآخرين إذا كان ذلك على حساب احترامنا لأنفسنا٠

لهذا ربما يكون التعريف الأكثر إنصافا للنجاح هو أن تصل دون أن تفقد نفسك وأن تكبر دون أن تفقد إنسانيتك وأن تحقق طموحك دون أن تخسر من تحب وأن تمتلك ما سعيت إليه دون أن يتحول ما تملكه إلى قيد يحرمك من الحياة

فالنجاح الحقيقي ليس أن تكسب كل شيء وإنما أن تعرف ما الذي لا ينبغي أن تخسره وأنت تسعى إلى كسب كل شيء وهو نفسك

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى