كتاب الرأي

من اكتفى اختفى

   ✍️ العميد . م. ندى الخمعلي – كاتب رأي :

يقال: «من اكتفى اختفى، ولو كان محبًا لأبقى، ولو كان معاتبًا لحكى، ولو كان مشتاقًا لأتى، ولكن لم يكن». عبارة تختصر كثيرًا من حكايات العلاقات الإنسانية التي تبدأ بالاهتمام وتنتهي بالصمت، وتكشف لنا أن المشاعر الحقيقية لا تحتاج إلى كثير من التبرير، فالمحب يجد طريقه، والمشتاق يبحث عن وسيلة للقاء، ومن يحمل في قلبه عتابًا صادقًا يختار الكلام بدل الرحيل.

في الحياة أشخاص لا يختفون فجأة، بل ينسحبون تدريجيًا حين تتغير مشاعرهم أو حين يصبح وجودنا في حياتهم أقل أهمية. قد يبحث الإنسان عن أعذار لهم، ويقول ربما انشغلوا أو ربما لديهم ظروف، لكن الحقيقة التي يصعب قبولها أحيانًا أن بعض الغياب ليس سببه الظروف، وإنما سببه الاكتفاء.

المحبة الحقيقية لا تقاس بكثرة الكلمات، وإنما بالفعل والحضور. من يحبك لا يجعلك دائمًا في حيرة من أمرك، ولا يتركك تتساءل عن مكانتك لديه. قد ينشغل، وقد يبتعد قليلًا، وقد تختلف الظروف، لكنه لا يسمح للغياب أن يصبح هو اللغة الوحيدة بينكما.

ومن أجمل ما في العلاقات الإنسانية أن العتاب نفسه دليل اهتمام؛ فالإنسان لا يعاتب من انتهى أمره بالنسبة إليه، وإنما يعاتب من بقي له مكان في القلب. أما حين يصمت الإنسان تمامًا، ويتوقف عن السؤال، ولا يعود يعنيه القرب أو البعد، فقد يكون قد وصل إلى مرحلة الاكتفاء.

لذلك لا ينبغي أن نطارد الغائبين، ولا أن نرهق قلوبنا بمحاولات مستمرة لإحياء علاقة اختار الطرف الآخر أن يتركها تموت. فالعلاقات الجميلة تقوم على التبادل، والحضور يقابله حضور، والاهتمام يقابله اهتمام، والشوق الحقيقي لا يبقى حبيس الرسائل المؤجلة والأعذار المتكررة.

وفي النهاية، ليست كل نهاية خسارة، فقد يكون بعض الاختفاء كشفًا لحقيقة كانت مستترة. ومن اختار أن يكتفي بك ثم يختفي، فلنترك له المساحة التي اختارها، ونحتفظ نحن بكرامتنا وهدوء قلوبنا. فهناك أشخاص يستحقون أن ننتظرهم، وهناك آخرون يكون أجمل ما نفعله تجاههم أن نتوقف عن الانتظار.

فالذي يريد البقاء يعرف كيف يبقى، والذي يريد اللقاء يعرف كيف يأتي، والذي يريدك في حياته لن يجعلك تبحث طويلًا عن مكانك فيها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى