حين يسبق الظنُ الحقيقة، لا يخطئ الحكم وحده؛ بل قد يختلّ ميزان الإنصاف كله.

✍️ أ – آمال باربود – كاتبة رأي :
ليس أخطر ما في الظن أن يكون خاطئًا، بل أن يتسلل إلينا في هيئة حقيقة مكتملة؛ فنمنحه من اليقين ما لم تمنحه الوقائع، ونبني عليه أحكامًا قد يطول أثرها حتى بعد أن تنكشف الصورة.
في زمن تتسارع فيه المعلومة، لم يعد الحكم ينتظر اكتمال المشهد. تكفي رواية ناقصة أو قراءة مبتسرة حتى تتشكل المواقف، وتتسع دائرة التأويل. ومع كثرة الترديد، قد يكتسب الظن صلابة الحقيقة، بينما تظل الحقيقة نفسها بعيدة عن الاكتمال.
والظن في أصله محاولة بشرية لفهم ما غاب عنا، لكن الفارق دقيق وعميق بين احتمال نضعه أمامنا، وحكم نغلق به باب المعرفة. فحين يتحول الاحتمال إلى يقين، يصبح من السهل أن نحمّل الوقائع ما لا تحتمل، وأن نمنح رواية ناقصة قوة تفوق ما تستحقه.
وقد جعل الفضاء الرقمي الأمر أكثر حساسية؛ فالكلمة لم تعد تنتهي بانتهاء لحظتها، والانطباع لم يعد حبيس صاحبه. وما يُقال على عجل قد يمتد أثره إلى أبعد مما قصد قائله، ويبقى حاضرًا حتى بعد أن تتبدل المعطيات وتظهر الحقيقة.
لهذا أصبح التثبت قيمة تتجاوز حسن التصرف إلى معنى أعمق من المسؤولية. فالتأني ليس ترددًا، ومراجعة الحكم ليست تراجعًا عن الموقف، بل احترام للحقيقة، وإنصاف للآخر، وصون للكلمة من أن تحمل ما لا تسنده الحقيقة.
والنضج ليس في أن نجد تفسيرًا لكل ما نراه، بل في أن ندرك حدود معرفتنا، وأن نترك للحقيقة زمنها ومساحتها، قبل أن يملأ الظن فراغ ما نجهله.
فبين الظن والحقيقة مسافة قد لا تُرى، لكنها قد تفصل بين حكم عادل وآخر متعجل، وبين فهم ينصف، وتأويل يظلم.
وحين يحكم الظن، لا تتوارى الحقيقة وحدها… بل يتوارى معها شيء من الإنصاف
للتواصل : [email protected]



