عالم أرواح شاكر العقيد .. (الروح الغاضبة) .. الفصل الثاني

✍️ سمير الشحيمي .. كاتب عماني
وصلت المدام ميلاد إلى أروقة القسم الجنائي، حيث كان الضابط شهاب أحمد في انتظارها. تقدمت منه بخطوات متثاقلة ونبرة متوسلة:
– طمأنني يا حضرة الضابط.. كيف حال فاضل؟ هل هو بخير؟ هل أستطيع رؤيته؟
نظر إليها الضابط شهاب بملامح جادة ونبرة هادئة:
– أريدكِ أن تتسلحي بالثبات وتتمالكي نفسكِ يا مدام ميلاد.
ارتجفت شفتاها وشخصت بصره نحو:
– ماذا هناك؟ هل ألمّ بفاضل مكروه؟! أخبرني أرجوك!
تنهد الضابط شهاب قبل أن يجيب بأسى:
– لقد عثرنا على فاضل الشريف.. أو بالأحرى، ما تبقى منه.
اتسعت عيناها وشحبت ملامحها مصدومة:
– ماذا تقول؟! ماذا تقصد بما تبقى منه؟!
أوضح الضابط بنبرة عملية:
– وجدنا جثة في عرض البحر، وقد نهشتها الأسماك ولم يتبقَ منها ما يدلكِ على هوية صاحبها بوضوح. لهذا استدعيناكِ للتأكد مما إذا كانت للفقيد فاضل الشريف أم لشخص آخر.
انهارت قواها وسقطت على أقرب كرسي متفجرة بالبكاء. في تلك اللحظة، دخلت والدتها مسرعة إلى القسم الجنائي، واحتضنت ابنتها بفزع:
– ماذا بكِ يا ابنتي؟! فور استلامي لرسالتكِ أتيت مسرعة.. ما الذي حدث؟
رفعت ميلاد رأسها وهي تتشبث بأمها وتنتحب بحرقة:
– لقد وجدوا جثته يا أمي! فاضل مات.. رحل فاضل!
ترقرمت العينان وربطت الأم على ظهرها داعية:
– إنا لله وإنا إليه راجعون.. اصبري يا بنيتي وتماكسي، إن الله مع الصابرين.
قاطعهما الضابط شهاب بنبرة حازمة ولكن مقدّرة للموقف:
– مدام ميلاد، أعلم صعوبة الموقف، لكن يجب أن تدخلي معنا للتعرف على الجثة الآن.
وقفت ميلاد وهي تتكئ على والدتها بكل ضعف. تقدمهما الضابط نحو غرفة التشريح، وحين كشف الموظف عن الجثة، ارتدت الأم وابنتها إلى الخلف من هول المنظر؛ فقد كانت الملامح مشوهة تمامًا بفعل الملوحة والأسماك المفترسة.
سألها الضابط شهاب بتركيز:
– مدام ميلاد.. هل استطعتِ التعرف عليه؟ هل هذه جثة فاضل الشريف؟
أشاحت ميلاد بنظرها بعيدًا بغثيان ورعب:
– لا.. من المستحيل التعرف عليه! المنظر مروع ولا يُطاق!
شدد الضابط على أهمية الأمر:
– أقدّر حجم الصدمة، لكن إثبات الهوية أمر حاسم في التحقيق.
غرق وجه ميلاد بين يديها وهي تصرخ باكية:
– لا أستطيع! صدقني لا أستطيع!
تدخلت الأم بغضب لحماية ابنتها:
– دعها وشأنها يا حضرة الضابط! ألا ترى أنها في حالة انهيار تام؟!
تراجع الضابط شهاب محترمًا الموقف:
– أنا آسف جدًا.. يمكنكما المغادرة الآن.
استدارت ميلاد مع والدتها للخروج، وأثناء خطوتها الأولى، لمحت يد الجثة الهامدة والمتآكلة. توقفت فجأة، وارتجف صوتها وهي تشير بأصبعها:
– إنه.. إنه هو!
التفت الضابط شهاب بسرعة:
– من هو؟! هل أنتِ متأكدة؟
ميلاد وهي ترتعد:
– إنه فاضل.. هذه جثة فاضل!
سألها الضابط بستغراب:
– كيف تيقنتِ من ذلك وسط كل هذا التشوه؟
أشارت بيد ترتجف نحو اليد اليسرى للجثة:
– الخاتم في إصبعه الأيسر.. إنه خاتم فاضل الخاص!
شكك الضابط محاولًا التثبت:
– هل أنتِ متأكدة؟ قد يكون مجرد خاتم يشبهه.
ردت بمزيد من الثقة رغم انفعالها:
– أعرف خاتم زوجي جيدًا، فهو منقوش عليه أحرف اسمه الأولى.
أشار الضابط شهاب لموظف التشريح بحركة من رأسه، فاستخرج الموظف الخاتم بحذر وسلمه للضابط. مسحه الضابط ليتأكد، فوجد الأحرف نقشًا دقيقًا بالفعل.
تنفس الضابط شهاب الصعداء وقال بأسى:
– الآن حسم الأمر وأُثبتت الهوية. أعظم الله أجركِ يا مدام ميلاد، يمكنكِ المغادرة الآن، وسنسلمكِ الجثمان فور انتهاء الإجراءات القانونية.
غادرت ميلاد برفقة والدتها متوجهتين إلى المنزل. وفي خلوة غرفة النوم، جلست الأم بجانب ابنتها وقالت بابتسامة مخفية ونبرة همس:
– يا بنيتي الغالية..
تنهدت ميلاد وهي تمسح بقايا دموعها الزائفة:
– رحيل فاضل سيضعف موقفي قليلاً يا أمي..
ردت الأم بانتهازية ومكر:
– أعلم، لكن الفيلا مسجلة باسمكِ، والسيارة كذلك، وهذا يؤمن مستقبلكِ بالكامل بعد وفاته.
قاطعتها ميلاد بابتسامة خبيثة:
– ليس هذا فحسب يا أمي، فالشركة لي حصة بها، وسأبيع نصيبي لهم لأقبض الثمن كاشًا!
أتسعت ابتسامة الأم وضحكت بصوت خافت:
– هذا هو التصرف السليم! هكذا تعيشين حياتكِ برغد ورفاهية.
علقت ميلاد بنبرة تشفي:
– الأهم من كل هذا المال، أنني تخلصت أخيرًا من فاضل وعنجهيته وتكبره!
وافقتها الأم وهي تهز رأسها:
– نعم يا ابنتي، كان كابوسًا وانزاح عن صدركِ.
ثم تساءلت ميلاد بحيرة:
– صوابكِ يا أمي.. لكن السؤال الذي يراودني: كيف مات فاضل في عرض البحر؟ لقد كانت جثته مروعة ومقززة!
ردت الأم بعدم اهتمام:
– نعم رأيتها.. لا يهمنا كيف مات، المهم أن القدر أراحنا منه ومن شره.
قفزت ميلاد من مكانها فجأة وكأنها تذكرت أمرًا جللًا:
– أمي! هناك في الغرفة المجاورة خزنة سرية داخلها كميات هائلة من الذهب والمجوهرات والألماس!
تألق القمع في عيني الأم وسألت بلهفة:
– هل أنتِ متأكدة مما تقولين يا ميلاد؟!
أجابتها بثقة وهي تجذبها من يدها:
– نعم متأكدة تمامًا، تعالي معي لنرَ!
هرولتا معًا إلى الغرفة المجاورة التي تضم مكتب فاضل الشريف؛ مكتب فخم يتوسط القاعة، تتراصف عليه الأوراق بعناية وإلى جواره مصباح مكتبي أنيق، وتحيط به مكتبة صغيرة للكتب، وبجوارها خزنة حديدية ضخمة.
وقفت ميلاد أمام الخزنة، فسألتها أمها بترقب وهي تتطلع للخزنة بشغف:
– هل تعرفين طريقة فتحها؟
ابتسمت ميلاد بثقة غرور:
– بالطبع أعرف يا أمي الغالية! كيف لا أعرف وأنا أشاركه هذا المنزل؟
مدت يدها ونقرت الأرقام السرية على القفل الإلكتروني بخبرة حتى صدر صوت فتح القفل. ابتسمت الأم وابنتها بابتسامة جشعة، وفتحتا الباب الحديدي.. لكن الفرحة سرعان ما تبددت وشخصت أبصارهما بصدمة عارمة!
الخزنة خاوية تمامًا ولا يوجد بها شيء!
شهقت ميلاد بذهول وهي تفتش بيديها الهواء داخل الخزنة الفارغة:
– أين الذهب؟! أين المجوهرات والألماس؟! أين ذهب كل شيء؟!
صدمت الأم وهتفت بغضب:
– أين اختفت المقتنيات؟! لا بد أن أحدهم قد سرقها!
ردت ميلاد بحيرة واستنكار:
– كيف تُسرق ولها قفل إلكتروني معقد يصعب فتحه دون معرفة الرمز السري الخاص؟!
صاحت الأم بنفاذ صبر:
– إذا لم تُسرق، فأين اختفت إذن؟!
تتطور الأحداث بعد العثور على جثة فاضل الشريف؛ فميلاد الخبيثة كانت تنتظر الفرصة للتخلص من زوجها والظفر بتركته، وقد حقق لها القدر مرادها. ولكن، أين اختفت المجوهرات والألماس؟ وهل للراحل فاضل الشريف يد في إخفائها قبل مقتله؟
هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة من الروح الغاضبة..
يتبع…
للتواصل [email protected]



