كتاب الرأي

﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.. حين تحجب (الأنا) ضوء الإنجاز المشترك

زاويةجمعتنا آية :
             ✍️حسن المقصودي-كاتب رأي: 

الفجوة بين واقع الممكنات وثقافة الاستئثار
في بيئات العمل المتباينة، تبرز أحيانا ظاهرة إدارية وسلوكية تستدعي التأمل؛ وهي لجوء بعض الأفراد إلى الاستئثار بالمنجزات الكلية وتجييرها لحساب ذواتهم، مستعيضين عن نقص ممكناتهم الحقيقية بجاهزية عالية لتقديم أنفسهم في مظهر الصانع الأوحد للنجاح. إن هذه الشريحة تجيد التحرك بذكاء تسويقي في اللحظات الأخيرة لنضوج المنجز، متغافلة عن حقيقة أن أي نجاح مؤسسي مستدام إنما يتكئ في الأصل على عقول مخلصة تعمل خلف الكواليس لتشييد البناء ورفع الكفاءة.

الألسنة الحداد.. بين تلوين العبارة واحتكار الثناء
تأتي اللمسة الإعجازية في كتاب الله لتشخص هذه الحالة النفسية بدقة بالغة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.
ففي مرحلة الاستقرار وظهور ثمار الإنجاز الجماعي، تنشط مهارة هؤلاء التعبيرية والخطابية للحديث بنبرة (الأنا) التي تلغي حضور الشركاء الحقيقيين في المنظومة. إن صفة الشح هنا (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) تتجلى في أبهى صورها عندما يبخل هؤلاء بالاعتراف بجهود زملائهم، محتكرين منصات الضوء والتقدير لذواتهم، ومعتبرين بقية أعضاء الفريق مجرد أدوات تابعة ومسخرة لخدمة تطلعاتهم الشخصية.

أقنعة الأهداف العامة وحقيقة الدوافع الذاتية
إن الخلل الأكبر في هذا النمط من السلوك هو محاولة التخفي المستمرة خلف شعارات براقة تدعي السعي نحو المصلحة العامة وتحقيق أهداف المنظومة، بينما الواقع يكشف عن دوافع ذاتية ضيقة عنوانها (الأنا ولا أحد غيري). إن تفكيك هذه الظاهرة يبين أن هؤلاء يتخذون من طاقات المخلصين جسراً للترقي العاجل؛ متناسين أن استقرار المنظومة الفنية والإدارية لا يستقيم بأجنحة فردية تحجب ضوء الشكر عن البقية، بل بالعمل التشاركي المنظم والعدالة في توزيع الثناء.

رسالة واعية.. لعلهم يفيقون:
إلى من يقف اليوم على قمة منجز بني بسواعد فريق متكامل، وإلى كل من غيب -عمداً أو غفلة- أثر الأوفياء الذين شدوا عضده: اعلم أن قيادة المنظومة لا تدوم بتهميش الكفاءات، وأن تضخم الأنا هو أول مسمار يدق في نعش الهيبة المهنية والقبول الإنساني. إن سلب جهود الآخرين قد يمنحك مكاسب عاجلة ومفاوز مؤقتة من الثناء، لكنه يسقطك من عين الاحترام الحقيقي؛ فالبركة تكمن في إنصاف الشركاء، والنجاح الأبلج هو أن تكبر بفريقك لتصنعوا معاً أثراً يبقى، بدلاً من أن تتسلق جهودهم لتزول سريعاً.
               والسلام ؛؛؛

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى