وهم الصورة الكاملة
✍️ مها الشاعر – كاتبه سعودية:
عندما تظهر لك امرأة قصيرة القامة إلى حد التقزُّم، بشعر أسود فاحم شديد الكثافة والطول، ولكنك دائماً لا ترى من هذه الصورة بوضوح سوى الشعر الأسود شديد الكثافة والطول!..
هو الأمر نفسه عندما يكون لديك صاحب منشأة خدمية أو مهنية متهدمة المبنى، شبه معطوبة الأنظمة والقوانين ، ولكنه يتباهى دوماً بسجل الحضور والانضباط للبصمة!..
وما وراء البصمة يا صديقي .. ما الذي يحدث هناك ؟!..
هذا ما يحدث كثيراً عندما تلاحظ استخدام مهارة توجيه التركيز إلى شيء شديد المثالية، سواءً كان حقيقياً أو عن طريق صناعة الوهم، لإخفاء خلل جسيم أكثر ضرراً في الجانب الآخر ، وهذا هو أعتقد ما يصح أن نسميه بمتلازمة “وهم الصورة الكاملة” .
يحدث هذا في الحياة العامة، في العلاقات الأسرية، المهنية، والاجتماعية، وكثيراً ما نراه في مواقع التواصل الإجتماعي بصورة أكثر تجلياً.
عندما أتعمد أن أوجه تركيزك إلى زاوية واحدة من الصورة، هذا ليس فعل اعتباطي، بل هي مهارة مدروسة بدقة، ولا ضير من استخدامها في عالم التسويق لسلعة ما، ما لم تكن لها مردود بالغ الخطورة على المتلقي .
الخطر الحقيقي هنا هو عندما نرى هذه المهارة أو الحيلة أو سمها ما شئت أن تسميها، تظهر في كثير من القضايا الإجتماعية والإنسانية،
عندما نرى المشهد كارثي من الزوايا الثلاثة للصورة، ولكن المخرج هناك بارع في إظهار الزاوية و التي بقدرة قادر كانت مخالفة للواقع إلى درجة إعتقادك بأنك تعيش في محيط آخر.
السؤال الأكثر أهمية هنا .. هل هذه الزاوية اجتهد المخرج حقاً في إظهارها واستنباطها من واقع معاش فعلاً ، أم هي أيضاً جزء من صناعة الوهم في سبيل تحييد الإنتباه عن النظر إلى الزوايا الأخرى ؟!..
وعلى عكس ما يعتقد فالأمر ليس شديد السوء، فوجود جانب واحد من الصورة مشرق بغض النظر عن كم الخراب من حوله، فهو مدعاة إلى التفاؤل، وفي حالات أخرى فهو محفز للتغاضي، والدعوة إلى النظر إلى نصف الكوب الممتلئ لدفع العجلة للإستمرار.
وليس في كل الحالات هذا هو رد الفعل الصائب، ففي حالات لا بد من النظر إلى الزوايا الأخرى المعتمة، عندما يكون الأمر قد بلغ أسوء حالاته حيث لا مكان للتفاؤل، فلا بد من إمعان النظر تماماً، ومعرفة مكامن الخلل.
وأخص في ذلك ما يتعلق بمصالح العامة، وما قد يترتب عليه من تعطيل للمصالح، وتحويل مسارات كارثية لبعض القضايا، وهضم للحقوق وسريان الأمور في غير مجراها الصحيح.
فلا بد من وقفة صادقة، وتحليل عميق والنظر إلى ما خلف الزاوية والتي تبدو وكأنها مشرقة، ولكنها في حقيقة الأمر ليست من الإشراق في شيء سوى “أننا كلنا في الهم شُرق”.
“تحت المجهر”
متى ينبغي أن ندرك بأنه هل حقاً لا يزال هناك زاوية مشرقة في الأمر .. أم أننا في الهم شُرق ؟!.
عندما يمتد بك الزمن وأنت لا ترى جزءً مشرقاً من هذه الصورة سوى تلك الزاوية على مر السنين، بل ويتم إبرازها وتلميعها بشكل مستمر وملفت للنظر، هنا يجب أن يوضع الأمر تحت عدسة المجهر.
فتلك أكبر أمارة بأننا نعيش في وهم الصورة الكاملة، والخلل ليس عيباً، كما أن التقصير ليس نقصاً، والخطأ وارد، ومن لا يعمل لا يخطأ.
ولكن الإستمراية في النهج ذاته دون الإلتفات ومحاولات صادقة للإصلاح، ما هذا إلا استهزاء وانتقاص من قدر المستفيد أو الآخر أياً تكون نوع العلاقة النفعية، خدمية، مهنية ، اجتماعية وغيرها.
البقاء في دائرة وهم الصورة الكاملة ليس سوى أشبه بدوامة ثقب أسود، والذي مهما بدا لك بأن بينك وبينه ملايين الأميال والسنين الضوئية، فهي منقضية سريعة كانت أم بطيئة ،ومن ثم سنغرق جميعاً في دوامة ذلك الثقب الأسود .
وما هذا إلا نتيجة لسوء تقدير عقيم للمشهد الحقيقي بالرغم من شدة وضوحه، بينما نحن منشغلون في صناعة وزخرفة وهم الصورة الكاملة.
“واليوم أصبحت وسائل الإعلام الرّقميَّة منصّة مثاليَّة لتضخيم الأكاذيب، والتَّرويج لها قادرة على خلق مؤامرات يصدّقها الجمهور من المتلقين، وهنا تكمن مشكلة الوهم أنّها تسيطر على العقل بأساليب متنوعة، ومختلفة بعيدة عن الواقع، ويضع المتلقي في دوامة تبعده عن الواقع متحكمة في سلوكياته، وقناعاته بشكل مقصود لإحداث الفتنة، وتأجيج العواطف، وإثارة الرعب، وزعزعة الثَّقة.”
د.نايف كوردستاني
للتواصل:[email protected]



