كتاب الرأي

الخصوصية المؤجلة

✍🏻 منيرا العتيبي – كاتبة سعودية:

لم تعد الخصوصية بابًا نُغلقه، بل ستارة شفافة نحرّكها بلمسة إصبع. الحياة لم تعد تُعاش في صمتها الطبيعي؛ صارت تُلتقط وتُعرض قبل أن تكتمل، ومع كل مشاركة يتقلّص الفاصل بين ما هو شخصي وما هو عام.

لم تختفِ الخصوصية، لكنها تبدّلت؛ انزلقت من كونها قيمة ثابتة إلى خيار قابل للتأجيل. التفاصيل التي كانت تُحاط بالكتمان تحوّلت إلى محتوى عابر: يوميات، مواقف، وانفعالات تُنشر كما لو أنها لا تترك أثرًا، حتى كاد الحدّ بين الخاص والعام يتلاشى.

هذا التحوّل لا يرتبط بالتقنية وحدها، بل بطريقة تفاعلنا معها. فالمنصات لم تفرض الإفصاح بقدر ما أعادت تعريفه؛ إذ أصبحت المشاركة سلوكًا افتراضيًا. الصورة تُلتقط لتُرى، والموقف يُكتب ليُعلّق عليه، وغياب النشر يُقرأ أحيانًا كغياب عن المشهد.

لم يعد السؤال: لماذا نشارك؟

بل: لماذا أصبح الامتناع أصعب؟

جزء من الإجابة يعود إلى حاجة إنسانية قديمة: أن نُرى ويُعترف بنا. غير أن البيئة الرقمية تضخّم هذه الحاجة عبر تعزيز فوري—إعجابات، وتعليقات، ومشاهدات—مما يجعل المشاركة أكثر إغراءً وأقل كُلفة من الصمت.

هناك أيضًا …

ضغط اجتماعي غير معلن؛ فحين يصبح الجميع مشاركًا، يتحول الإفصاح إلى معيار. من لا ينشر يبدو خارج السياق، فيتداخل الخاص مع العام، ويغدو ما كان شأنًا شخصيًا جزءًا من دائرة العرض.

في المقابل، يظل الوعي بالمخاطر هشًا. ما يُنشر يُعامَل كأنه عابر، بينما أثره باقٍ. البيانات لا تختفي بسهولة، والسياقات تتبدّل. ما يبدو عاديًا اليوم قد يُقرأ لاحقًا بشكل مختلف—مهنيًا أو اجتماعيًا—ومع ذلك يُستهان بهذه التحولات.

ولا يتوقف الأمر عند الأفراد؛ فالتدفق المستمر للمعلومات يرسم ملامح دقيقة عن أصحابها: اهتمامات، عادات، وأنماط حياة، تُستثمر بطرق تتجاوز ما يظهر على الشاشة، غالبًا دون إدراك كامل.

المسألة ليست دعوة للانكفاء ولا إدانة للمشاركة؛ فالإفصاح في جوهره امتداد لرغبة التواصل. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول من خيار واعٍ إلى رد فعل تلقائي، وحين تختفي الحدود دون أن نلاحظ.

لذلك، السؤال الأدق ليس: ماذا بقي من الخصوصية؟

بل: كيف نعيد تعريفها؟

الخصوصية اليوم ليست انسحابًا، بل قدرة على الاختيار: ماذا نقول، وماذا نحتفظ به، ولماذا. في زمن يختلط فيه الخاص بالعام

يبقى الوعي—لا الصمت—هو الحدّ الأخير.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى