بين ذاكرة التأسيس ووهج الإبداع.. جمعية الأدب تحتفي بمسيرتها

عنوان – الرياض – ريم منصور سلطان :
في ليلةٍ إجتمع فيها وهج الإبداع بوفاء الذاكرة، إحتفت جمعية الأدب المهنية بالمنجز الأدبي السعودي، وأقامت حفل جائزتها في دورتها الأولى لعام 2026، مساء الخميس 15 أكتوبر، في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، برعاية كريمة من صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة، وبحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمفكرين والإعلاميين.
وجاء الحفل ليشكّل محطة ثقافية بارزة في مسيرة الجمعية، التي تسعى إلى ترسيخ مكانة الأدب، وتقدير منجزاته، وفتح آفاق أوسع أمام المبدعين، في مشهد يعكس تنامي الحراك الثقافي في المملكة، والإهتمام المتزايد ببناء بيئة مؤسسية تحتضن الأدب وتدعم حضوره في الحياة العامة.
واستُهلت الأمسية بالسلام الوطني، أعقبه عرض مرئي إستعرض مسيرة الجمعية ومحطاتها، وما شهدته من جهود في دعم الأدباء وتوسيع نطاق العمل الثقافي، وفي كلمته، عبّر رئيس مجلس إدارة الجمعية، الدكتور حسن النعمي، عن إعتزازه بهذه المناسبة، مثمنًا الرعاية الكريمة والدعم الذي يحظى به القطاع الثقافي، ومؤكدًا مواصلة الجمعية العمل على تمكين الأدباء والإرتقاء بالممارسة الأدبية إلى آفاق مهنية أرحب.
من جانبه، إستعرض الأمين العام للجائزة، الدكتور عادل بن خميس الزهراني، جهود أمانة الجائزة ولجان الفرز والتحكيم، وما تطلبته مراحل التقييم والترشيح من عمل تنظيمي ومعايير دقيقة، مشيرًا إلى أن الجائزة تستهدف المنجزات النوعية، وتقدير التجارب الأدبية التي تثري المشهد السعودي، وتعزز قيمة التنافس الإبداعي.
وشهد الحفل تتويج الفائزين في عدد من الفروع الأدبية، إذ فاز إياد عبدالرحمن بجائزة الرواية عن روايته «إهانة غير ضرورية»، فيما نال عبدالله العطية جائزة الدراسات الأدبية والنقدية عن كتابه «الحوار الدرامي في المسرح الشعري السعودي»، وحصل إبراهيم الحسين على جائزة الشعر عن مجموعته «يخطف الموتى».
ويأتي هذا التكريم تقديرًا للتجارب التي أضافت إلى المشهد الأدبي، وأسهمت في توسيع مساحات الكتابة والتأمل والنقد، فالجائزة، في معناها الأعمق، ليست منصة لإعلان أسماء الفائزين فحسب، لكنه كانت مساحة للإعتراف بقيمة العمل الإبداعي، وبالجهد الذي يبذله الكاتب حتى تتحول الفكرة إلى أثر، والكلمة إلى حضور في الذاكرة الثقافية.
ولم يقتصر الإحتفاء على المبدعين الذين حصدوا جوائز الدورة الأولى، إنما إمتد ليشمل أولئك الذين أسهموا في بناء مسيرة الجمعية وترسيخ حضورها، في لفتة تحمل دلالة تتجاوز التكريم الإحتفالي إلى الاعتراف بقيمة البدايات والجهود التي مهدت للطريق.
فقد كرّمت الجمعية رئيسي مجلس الإدارة السابقين، الأستاذ الدكتور صالح زياد الغامدي، والدكتور سعيد السريحي – رحمه الله – تقديرًا لإسهاماتهما في مسيرة الجمعية، وتسلّمت الدكتورة صروح السريحي التكريم نيابة عن شقيقها الراحل، في مشهد استحضر أثره الثقافي والفكري، وما تركه من نتاج يظل شاهدًا على حضوره.
كما إستعاد الدكتور صالح زياد الغامدي محطات من بدايات الجمعية وما تحقق من طموحاتها، مؤكدًا أهمية مواصلة دور الكلمة في ترسيخ قيم الخير والجمال والسلام، وتعزيز الأمن والاستقرار.
وامتد التكريم ليشمل سفراء الجمعية الذين كانوا جزءًا من الحراك الأدبي، وأسهموا بجهودهم في دعم أنشطته وتعزيز حضوره، وكانوا بمثابة الجنود المجهولين الذين يعملون خلف المشهد، ويمنحون المبادرات الثقافية زخمها، ويسهمون في إيصال صوت الأدب إلى مساحات أرحب.
وجاء تكريمهم تقديرًا لما بذلوه من وقت وجهد، وما أدّوه من أدوار في مساندة الحراك الأدبي، وتعزيز التواصل بين الجمعية والمجتمع الثقافي، والمشاركة في دعم المبادرات التي تمنح الأدب مساحة أوسع للإنتشار والتفاعل، وهو تقدير يسلط الضوء على قيمة العمل الذي قد لا تتصدره الأضواء، لكنه يشكّل جزءًا أصيلًا من نجاح أي مشروع ثقافي.
فالمشهد الأدبي لا تصنعه الأسماء التي تتصدر المنصات وحدها، ولكن يقف خلفه أيضًا جهود مخلصة تعمل بصمت، وأيدٍ تساند، وأفكار تبادر، وأشخاص يؤمنون بأن الثقافة مسؤولية مشتركة، وأن أثر الكلمة يتسع كلما تضافرت الجهود لإيصالها إلى جمهورها.
ومن هنا، تأتي أهمية الالتفات إلى هذه الأدوار وتقدير أصحابها؛ فالتكريم لا يقتصر على منجز إبداعي مكتمل، بل يمتد إلى كل جهد أسهم في صناعة البيئة التي ينمو فيها الإبداع، وإلى كل من منح الحراك الأدبي وقتًا وعملًا وإيمانًا بقيمة الثقافة ورسالتها.
وتتجلى أهمية هذه المبادرة في أن المؤسسات الثقافية لا تُبنى بالإنجازات الراهنة وحدها، لكن بما تحفظه من ذاكرة، وما تمنحه لمن أسهموا في تأسيسها من تقدير مستحق، فالإعتراف بالفضل المؤسسين السابقين هو تكريم الجذور التي يستند إليها الحاضر، ورسالة تؤكد أن مسيرة الثقافة تراكم من الجهود، وأن كل مرحلة تحمل أثر من سبقها، وتمهّد الطريق لمن يأتي بعدها.
وفي سياق الوفاء لروّاد المسيرة العطاء الثقافي، كرّمت الجمعية الدكتور عبدالله بن صادق دحلان بوصفه شخصية العطاء الأدبي، ومنحته ميدالية العضوية الشرفية، مع عرض فيلم تعريفي تناول مسيرته وإسهاماته، كما إستعرض الحفل محطات من مسيرة الفنان يوسف الجراح، ضمن فقراته المرئية والتكريمية التي أضفت على الأمسية بُعدًا إنسانيًا وثقافيًا.
تؤسس الدورة الأولى لجائزة جمعية الأدب المهنية لمرحلة جديدة من الاحتفاء المنظم بالمنجز الأدبي السعودي، وتمنح الأعمال المتميزة مساحة أوسع للظهور، كما تعزز الصلة بين المبدعين والمؤسسات الثقافية، وتؤكد أن تقدير الأدب مسؤولية تتجاوز لحظة التتويج إلى دعم مستمر للإنتاج المعرفي والإبداعي.
وفي ختام الحفل، اجتمع الفائزون والمكرّمون في صورة تختصر رسالة الأمسية: أن الأدب ذاكرة أمة، وأن المبدعين يضيفون إلى هذه الذاكرة فصولًا جديدة، فيما يحفظ الوفاء للمؤسسين حكاية البدايات ويمنحها امتدادًا في المستقبل.
وبين تكريم المنجز وإستحضار الروّاد، قدّمت جمعية الأدب المهنية في دورتها الأولى صورةً لثقافة تعرف قيمة الإبداع، ولا تنسى من أسهموا في تأسيس مسيرتها، فالمؤسسات التي تحتفي بمبدعيها وتكرّم روّادها معًا، إنما تؤكد أن المستقبل الثقافي لا ينفصل عن ذاكرته، وأن الكلمة التي تستحق الاحتفاء هي تلك التي تترك أثرًا يتجاوز زمن.



