
عنوان – هاني سليم – القاهرة:
حقق الفيلم الوثائقي السعودي القصير «عروس التراث» إنجازًا دوليًا جديدًا، بعدما حصد جائزة أفضل فيلم قصير جدًا في مهرجان «أوساكا هورايزن» الدولي للأفلام باليابان، في يونيو 2026، ليحمل ملامح التراث النسائي في منطقة عسير إلى جمهور عالمي، بعد مشاركات متعددة في مهرجانات سينمائية حول العالم.
«عروس التراث».. حكاية سعودية تتجاوز الحدود
يأتي الفيلم من إبداع الدكتورة سهام آل حيدر، الأستاذ المشارك في قسم اللغة الإنجليزية، التي قدمت من خلاله تجربة بصرية وثقافية تسلط الضوء على الأزياء النسائية التقليدية في عسير، وما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية تعكس هوية المنطقة وخصوصية موروثها الشعبي.
ويستعرض العمل تفاصيل الأزياء العسيرية، بداية من المنديل الأصفر والحلي الفضية، وصولًا إلى الأقمشة المطرزة، موثقًا جماليات التراث المحلي وعلاقته بتفاصيل الحياة اليومية للمرأة في جنوب المملكة العربية السعودية.
ولا يقتصر الفيلم على عرض الملابس التقليدية باعتبارها مظاهر جمالية، بل يكشف ما تحمله من قصص وذاكرة اجتماعية، توثق عادات متوارثة وتفاصيل من حياة النساء عبر الأجيال.
الأزياء العسيرية.. ذاكرة المرأة وحكايات المكان
يوثق الفيلم، المتاح عبر منصة «يوتيوب»، عددًا من عناصر الموروث النسائي في عسير، من بينها «الشيلة»، إلى جانب الطرق التقليدية التي كانت تستخدمها النساء في لف الأقمشة حول الخصر أثناء العمل في الحقول.
ومن خلال هذه التفاصيل، يربط العمل بين جمال الأزياء ووظيفتها العملية، مقدمًا صورة حية عن علاقة المرأة ببيئتها المحلية، وكيف امتزجت الاحتياجات اليومية بالفنون الشعبية والتقاليد المتوارثة.
وفي مقابلة مع القائمين على جوائز مهرجان كان السينمائي، أوضحت الدكتورة سهام آل حيدر أن مشروعها يستكشف التراث المادي وغير المادي من خلال السرد البصري والصوتي، بهدف الحفاظ على الموروث الثقافي لمنطقة عسير ونقله إلى الأجيال المقبلة.
رحلة أكاديمية وفنية وراء الفيلم
تجمع الدكتورة سهام آل حيدر بين اهتمامات بحثية متعددة، تشمل الأنثروبولوجيا وعلم اللغة والسيميائيات والإثنوغرافيا، وهو ما ينعكس على رؤيتها في توثيق الموروث الثقافي وتقديمه بصورة تجمع بين البحث العلمي والإبداع الفني.
كما تلقت تدريبها في جامعة فلوريدا، وعملت باحثة زائرة ضمن برنامج «فولبرايت» في جامعة ولاية أريزونا، مستفيدة من خبراتها الأكاديمية في دراسة الأزياء والعمارة التقليدية والعناصر الثقافية التي تشكل هوية المجتمعات.
وتسعى آل حيدر من خلال مشروعاتها إلى إعادة تقديم الملابس والمجوهرات النسائية التراثية بلمسات معاصرة، دون التفريط في جذورها التاريخية، انطلاقًا من فلسفة تقوم على التمسك بالماضي والانفتاح على المستقبل.
من عسير إلى العالم.. حضور دولي متصاعد
لم تتوقف رحلة «عروس التراث» عند الفوز بجائزة مهرجان أوساكا، إذ سجل الفيلم عشرة اختيارات رسمية في مهرجانات دولية، إلى جانب بلوغه مرحلة نصف النهائي وحصوله على أربع شهادات تقدير.
وشملت مشاركاته عددًا من الوجهات السينمائية والثقافية، من بينها بنسلفانيا وأريزونا ولوس أنجلوس ونيويورك، فضلًا عن تركيا واليونان وفرنسا وبريطانيا والبرتغال. كما وصل إلى نصف نهائي مهرجان كان العالمي للأفلام عام 2025.
ويعكس هذا الحضور اتساع الاهتمام الدولي بالأعمال التي تقدم الثقافات المحلية من منظور إنساني وفني، وتكشف عن تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءًا من الذاكرة الحضارية للشعوب.
عسير.. كنز ثقافي يعزز الهوية السعودية
تتمتع منطقة عسير بموروث ثقافي وعمراني غني، يجمع بين العمارة التقليدية والفنون الشعبية والحرف اليدوية والأزياء التراثية. وتبرز قرية رجال ألمع باعتبارها إحدى أبرز الوجهات التي تعكس هذا الثراء، بما تضمه من مبانٍ تاريخية وقصور تراثية.
كما يحتل فن «القط العسيري» مكانة بارزة في الهوية الفنية للمنطقة، بعدما أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 2017 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
ومن هنا، يكتسب فيلم «عروس التراث» أهمية تتجاوز التوثيق البصري للأزياء، إذ يقدم مدخلًا للتعرف على ثقافة منطقة كاملة، ويبرز دور الفنون والملابس والعادات في الحفاظ على الذاكرة الوطنية.
الثقافة والسياحة.. جسور جديدة إلى العالم
يتقاطع مضمون الفيلم مع الجهود الرامية إلى تعزيز حضور الثقافة السعودية على الساحة الدولية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في صون التراث الوطني وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية.
كما يفتح توثيق الموروث المحلي آفاقًا للتكامل بين الثقافة والسياحة، من خلال تشجيع الجمهور على اكتشاف الوجهات التاريخية والتعرف على الفنون والحرف والعادات التي تميز مناطق المملكة.
وتطمح الدكتورة سهام آل حيدر إلى تأسيس منصة عالمية تتيح تقديم القصص السعودية وتراثها المادي وغير المادي، مع تسليط الضوء على العمارة والأزياء والحرف والعادات المتوارثة، بما يمنح هذه العناصر مساحة أوسع للحضور والتفاعل عالميًا.
وفي النهاية، تؤكد جائزة «عروس التراث» أن الحكايات المحلية قادرة على الوصول إلى أبعد المسافات، وأن تفاصيل بسيطة من حياة النساء في جبال عسير يمكن أن تتحول، عبر عدسة السينما، إلى رسالة ثقافية تعبر القارات وتحمل ذاكرة الماضي إلى الأجيال القادمة.



