كتاب الرأي

دفء الكلمات.. وبرودة النوايا

         ✍️طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :

ليس كل دفء نشعر به في الكلمات يأتي من دفء القلب، وليس كل ابتسامة تعني محبة، ولا كل سؤال عن الحال يحمل بالضرورة شوقًا حقيقيًا. أحيانًا تكون الكلمات دافئة إلى حد يجعلنا نطمئن، بينما تقف خلفها نوايا باردة لا تشبه جمال ما قيل.

في الحياة، نتعلم مع الوقت أن الكلمات وحدها لا تكفي للحكم على الناس، فالكلمات قد تكون جميلة، مرتبة، ومليئة بالمجاملات، لكن المواقف وحدها قادرة على كشف حقيقتها. هناك من يجيد اختيار عباراته بعناية، يعرف متى يمدح، ومتى يبتسم، ومتى يقول لك ما تحب أن تسمعه، لكنه يغيب تمامًا عندما تحتاج إلى موقف صادق، أو حضور حقيقي، أو كلمة تقف إلى جانبك لا فوقك.

وما أكثر العلاقات التي تبدو من الخارج ممتلئة بالود، بينما هي في الداخل مجرد مساحة واسعة من المجاملات. نلتقي، نبتسم، نسأل عن بعضنا، نتبادل العبارات الجميلة، ثم نمضي وكأن شيئا لم يكن. ليس العيب في المجاملة، فهي من حسن الخلق حين تكون صادقة، وإنما العيب أن تصبح الكلمات بديلا عن المشاعر، وأن يتحول اللطف إلى قناع، وأن يصبح إظهار المحبة مجرد سلوك اجتماعي نمارسه لأن الصورة أهم من الحقيقة.

أحيانًا لا يؤلمنا الكذب بقدر ما يؤلمنا اكتشاف أن الكلمات التي منحناها ثقتنا لم تكن تحمل المعنى الذي فهمناه منها. أن تكتشف أن شخصًا كان يملأ حديثه بالاهتمام، بينما كان قلبه بعيدًا عنك تمامًا. أن تكتشف أن بعض العبارات التي حسبتها محبة، لم تكن أكثر من مجاملة عابرة، وأن بعض القرب لم يكن إلا حضورًا اجتماعيًا لا علاقة له بالقرب الحقيقي.

والأصعب من ذلك أن بعض الناس يتقنون ارتداء الود حتى يصبح من الصعب التفريق بين صدق المشاعر وبراعة التمثيل. يبتسمون في الوقت المناسب، يقولون الكلمات المناسبة، ويظهرون لك من الاهتمام ما يكفي لأن تطمئن، لكنك عندما تحتاج إليهم فعلًا، تبحث عن ذلك الدفء فلا تجده.

النفاق الاجتماعي لا يبدأ دائما بكذبة كبيرة، فقد يبدأ بكلمة لا نشعر بها، أو مدح لا نؤمن به، أو اهتمام نمارسه فقط لأن الموقف يفرض علينا ذلك. ومع تكرار الأمر، تصبح المجاملة عادة، ويصبح التظاهر بالود جزءًا من لغة التعامل، حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يشعر به فعلًا وما اعتاد أن يقوله.

وليس المقصود أن نعيش بلا مجاملة، أو أن نقول كل ما يدور في داخلنا دون مراعاة لمشاعر الآخرين. فالإنسان الراقي يعرف أن الصراحة ليست قسوة، وأن المجاملة ليست كذبا بالضرورة. هناك فرق كبير بين أن تختار كلماتك بلطف، وبين أن تستخدم الكلمات الجميلة لخداع الآخرين. الفرق يكمن في النية، فقد نصمت عن بعض الحقائق حفاظًا على خاطر إنسان، وهذا خلق، لكن أن نمنحه مشاعر لا نملكها، ونوهمه بقرب لا نشعر به، ثم نغادره إلى حديث آخر يناقض ما قلناه، فهنا تتحول المجاملة إلى زيف.

الصدق لا يعني أن تكون فظًا، كما أن اللطف لا يعني أن تكون منافقًا.

يمكنك أن تكون صادقا دون أن تجرح، وأن تكون لطيفا دون أن تتصنع، وأن تحترم إنسانا دون أن تدعي محبته، وأن تختلف مع شخص دون أن تنتقص منه. هذه هي المسافة الجميلة بين الصراحة والوقاحة، وبين المجاملة والنفاق.

وفي زمن أصبحت فيه العلاقات كثيرة ومتنوعة، وأصبح من السهل أن نحيط أنفسنا بعشرات الأشخاص، يبقى الإنسان في النهاية يبحث عن االقليل الذين لا يحتاج معهم إلى تفسير نفسه، ولا إلى قراءة ما وراء كلماتهم، ولا إلى التساؤل عما إذا كانت ابتسامتهم حقيقية أم مجرد أداء اجتماعي.

نحتاج إلى أولئك الذين تشبه مواقفهم كلماتهم، والذين إذا قالوا (نحن معك) وجدناهم فعلًا حيث ينبغي أن يكونوا. نحتاج إلى من لا يبالغ في الكلام، لأن صدقه لا يحتاج إلى استعراض. من يحضر في غيابك كما يحضر أمامك، ويحفظ قدرك حين لا تكون موجودًا، ولا يجعل محبتك مادة للحديث في المجالس.

فالمحبة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان دائم، والصدق لا يحتاج إلى كثير من الشرح. قد يكون الإنسان قليل الكلام، لكنه يمنحك من الأمان ما لا تمنحك إياه صفحات طويلة من العبارات الجميلة.

تعلمنا الحياة أن نقيس الناس بمواقفهم، لا بحجم كلماتهم. وأن ننتبه إلى من يظل قريبًا عندما تتغير الظروف، ومن لا يتبدل وجهه بتبدل المكان والأشخاص. فهناك من يكون دافئًا حين تكون الأمور بخير، لكنه يبرد تمامًا عند أول اختبار، وهناك من لا يجيد الكلام كثيرًا، لكنه يكون أول من يمد يده عندما تضيق بك الحياة.

لا تجعل كثرة الكلمات تخدعك، ولا تجعل قلة التعبير تجعلك تظلم الصادقين. بعض القلوب تحب بصمت، وبعض الألسنة تتحدث كثيرًا دون أن تحمل كلماتها شيئًا من القلب.

وفي النهاية، ليست المشكلة أن نجد في حياتنا أشخاصًا يجيدون المجاملة، فهذه طبيعة الحياة، وإنما المشكلة أن نفقد نحن قدرتنا على رؤية الحقيقة بسبب تعلقنا بما نحب أن نصدقه.

كن صادقا، حتى لو كان صدقك هادئًا. كن لطيفًا، لكن لا تمنح أحدًا وهمًا لا تستطيعه. لا تقل كلمة محبة إن كنت لا تعنيها، ولا تقدم وعدًا لا تنوي الوفاء به، ولا ترفع شخصًا بالكلام ثم تتركه يسقط في المواقف.
فالكلمات قد تمنح دفئا للحظة، لكن المواقف هي التي تصنع الطمأنينة.

ختامًا..
دفء الكلمات جميل، لكن الأجمل أن تكون النوايا دافئة أيضًا، لأن الكلمات قد تخدعنا للحظات، أما المواقف فلا تجيد الكذب طويلًا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى