كتاب الرأي

شركات التطوير والهدم والإزالة.. بين سرعة الإنجاز وحماية الإنسان وحقوق أصحاب الممتلكات

مكة المكرمة.. تطويرٌ متواصل وخدمةٌ للإنسان والمكان

✍️عصام عبدالقادر الرحالي- أكاديمي وكاتب سعودي :

تشهد مكة المكرمة أعمالًا ومشروعات تطويرية وعمرانية مهمة، تهدف إلى تحسين البيئة العمرانية والارتقاء بالخدمات وتعزيز جودة الحياة، بما يواكب مكانة مكة المكرمة وما تشهده المملكة العربية السعودية من نهضة تنموية شاملة.

وفي هذا السياق، نتقدم بخالص الشكر والتقدير والامتنان إلى ولاة الأمر – حفظهم الله – على ما يولونه من عناية واهتمام بالبلد الحرام، وعلى ما يقدمونه من دعم متواصل لمشروعات التطوير والتنمية، وما يبذل من جهود لخدمة مكة المكرمة وسكانها وقاصديها من ضيوف الرحمن.

فما تشهده مكة اليوم من مشروعات وتطوير عمراني وخدماتي يعكس رؤية طموحة ومستقبلًا يتطلع إلى أن تكون مكة المكرمة نموذجًا عالميًا في التنمية والخدمات وجودة الحياة، مع الحفاظ على مكانتها الدينية والإنسانية والتاريخية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن احتياجات السكان خلال مراحل الإخلاء والهدم والإزالة لا يأتي اعتراضًا على التطوير، وإنما يأتي تأكيدًا على أهمية أن يكون الإنسان جزءًا أساسيًا من منظومة التطوير.

التطوير لا يتعارض مع حقوق السكان

الأهالي لا يعارضون التطوير أو تحسين الأحياء، بل يتطلعون إلى أن تتم مراحل الإخلاء والهدم والإزالة بصورة منظمة ومتدرجة، تراعي أوضاع السكان وأصحاب الممتلكات، وتمنحهم الوقت الكافي لترتيب شؤونهم وتأمين مساكنهم البديلة ونقل ممتلكاتهم.

ومع تعدد الأعمال والشركات والمقاولين المشاركين في التنفيذ، تبرز أهمية تعزيز التنسيق الميداني، وتوفير معلومات واضحة للسكان حول طبيعة الأعمال، ومراحل التنفيذ، والمواعيد المتوقعة للإخلاء، وآلية الانتقال، ونقطة التواصل التي يمكن الرجوع إليها للاستفسار والاستيضاح.

حاجة الأسر إلى وقت كافٍ للانتقال

إن كل منزل يمثل أسرة لها التزامات وظروفها الخاصة، وقد تضم أطفالًا أو كبار سن أو مرضى، كما أن نقل الأثاث والممتلكات والبحث عن مسكن بديل يحتاج إلى وقت وترتيبات مالية وأسرية.

فوراء كل منزل أسرة، ووراء كل أسرة أطفال وكبار سن ومرضى وممتلكات وذكريات وحياة كاملة، لا يمكن نقلها خلال أيام أو ساعات.

الهدم والإزالة قد يتمان في وقت قصير، لكن الانتقال إلى حياة جديدة يحتاج إلى تخطيط وترتيب وموارد مالية ووقت مناسب.

المطلوب ليس تعطيل التطوير.. بل تحسين إدارة التطوير

الأهالي لا يطلبون إيقاف المشروعات، ولا يريدون تعطيل التنمية، وإنما يطالبون بأن تسير عملية التطوير بصورة تحفظ حقوق الجميع، وتحقق التوازن بين سرعة الإنجاز وطمأنينة السكان.

فالنجاح الحقيقي لأي مشروع لا يقاس فقط بسرعة التنفيذ أو بعدد المباني التي أزيلت، وإنما يقاس أيضًا بمدى المحافظة على حقوق السكان، وحماية ممتلكاتهم، وسرعة حصول المستحقين على حقوقهم، وقدرتهم على الانتقال بصورة منظمة وآمنة.

وتزداد أهمية ذلك عندما تكون هناك مستحقات مالية لأصحاب الممتلكات لم تُستكمل إجراءات صرفها بعد؛ إذ قد يجد صاحب المنزل نفسه مطالبًا بتوفير مسكن بديل وتحمل تكاليف الإيجار والنقل، في وقت لا تزال فيه مستحقاته قيد الإجراءات.

ومن هنا يأمل الأهالي أن تتزامن الإجراءات المالية مع مراحل الإخلاء والتنفيذ قدر الإمكان، وأن يتم استكمال التقدير واعتماد وصرف المستحقات وتمكين أصحابها من استلام حقوقهم قبل الهدم والإزالة، متى كانت تلك المستحقات مقررة وفق الأنظمة والإجراءات ذات العلاقة.

فمن الصعب على أسرة أن تبدأ مرحلة انتقال جديدة دون أن تعرف متى تستلم مستحقاتها، أو كيف ستوفر المسكن البديل، أو كيف ستتحمل تكاليف النقل والإيجار وغيرها من الالتزامات.

ولا ينبغي أن تكون سرعة الهدم والإزالة أسرع من سرعة استكمال الحقوق وتمكين الأسر من تأمين مساكنها البديلة.

حماية الممتلكات وتنظيم الأعمال

كما أن مراحل الإخلاء والهدم تستلزم تنظيمًا دقيقًا لدخول فرق العمل والعمال والمقاولين إلى المواقع، والمحافظة على ممتلكات السكان ومحتويات المنازل إلى حين استكمال إجراءات التسليم والإخلاء.

وأي ملاحظات أو بلاغات تتعلق بالممتلكات يمكن التعامل معها من خلال قنوات رسمية واضحة، بما يضمن التحقق منها ومعالجتها وفق الإجراءات المعتمدة.

كما يأمل السكان المحافظة على المداخل والمنافذ، بما يسهل عليهم الوصول إلى مساكنهم وإخراج ممتلكاتهم خلال المدة المقررة للانتقال.

ما يأمله الأهالي

ومن هذا المنطلق، يأمل الأهالي:

* توضيح طبيعة أعمال التطوير والهدم والإزالة ومراحلها الزمنية.
* إبلاغ السكان بالمواعيد والإجراءات ذات العلاقة بصورة واضحة ومبكرة.
* منح الأسر مهلة مناسبة لترتيب أوضاعها وتأمين مساكن بديلة.
* استكمال التقدير والإجراءات المالية وصرف المستحقات والتعويضات للمستحقين وفق الأنظمة والإجراءات ذات العلاقة.
* تمكين أصحاب المستحقات من استلام حقوقهم في الوقت المناسب قبل الإزالة، متى كانت الأنظمة والإجراءات تقضي بذلك.
* مراعاة الحالات الإنسانية والاجتماعية، خصوصًا كبار السن والمرضى والأطفال والأسر التي تحتاج إلى وقت أطول للانتقال.
* تعزيز التنسيق بين فرق العمل والشركات والمقاولين في المواقع.
* المحافظة على ممتلكات السكان وتنظيم الدخول إلى المساكن والمواقع.
* توفير نقطة اتصال واضحة لاستفسارات السكان وملاحظاتهم.
* تنظيم المداخل والمنافذ خلال فترة الانتقال بما يسهل حركة السكان ونقل ممتلكاتهم.

كلمة أخيرة.. التطوير الذي يحفظ الإنسان

إن الأهالي ينظرون إلى مشروعات التطوير باعتبارها جزءًا مهمًا من مستقبل مكة المكرمة، ويقدرون ما تبذله الدولة من جهود كبيرة في خدمة البلد الحرام، ويتطلعون إلى أن تكتمل هذه الجهود من خلال التوفيق بين سرعة الإنجاز ومراعاة الإنسان وحقوقه واستقراره.

فالمواطن والمقيم في مكة المكرمة شريك في هذه التنمية، والأسرة التي تغادر منزلها من أجل مشروع تطويري تحتاج إلى أن تشعر بأن حقوقها محفوظة، وأن انتقالها يتم بصورة منظمة وكريمة، وأن ممتلكاتها محل عناية واهتمام.

فالهدم والإزالة قد يتمان في وقت قصير، بينما تحتاج الأسرة إلى وقت للبحث عن مسكن، وترتيب أوضاعها، ونقل ممتلكاتها، وتأمين احتياجات أطفالها وكبار السن والمرضى، والبدء في مرحلة جديدة من حياتها.

ولذلك فإن منح السكان الوقت المناسب، وتوضيح الإجراءات، وتسريع استكمال المستحقات، وتنظيم عملية الانتقال، والمحافظة على الممتلكات؛ كلها أمور تساعد على تحقيق التطوير بصورة أكثر سلاسة وطمأنينة.

إن مكة المكرمة تستحق أن تكون نموذجًا في التطوير الذي يجمع بين جودة التنفيذ وكرامة الإنسان، وبين سرعة الإنجاز وحفظ الحقوق، وبين النهضة العمرانية والاستقرار الاجتماعي.

والشكر والتقدير لولاة الأمر – حفظهم الله – على ما يقدمونه من دعم وعناية بمكة المكرمة والبلد الحرام، وعلى ما تشهده من مشروعات تنموية متواصلة لخدمة سكانها وقاصديها.

ويبقى الأمل أن يكون الإنسان حاضرًا في كل مراحل التطوير، وأن يشعر كل صاحب منزل أو ممتلك بأن التنمية التي يشهدها المكان تحمل معها الطمأنينة وحفظ الحقوق وصون الكرامة.

فالتطوير الناجح لا يقتصر على تطوير المكان، وإنما يراعي الإنسان الذي يعيش فيه، ويحفظ كرامته وممتلكاته واستقراره خلال مرحلة التغيير.

فالتطوير الحقيقي هو الذي يغيّر المكان إلى الأفضل، دون أن يترك الإنسان خلفه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى